FINANCIAL TIMES

منحنى فيليبس .. حي أم ميت؟

كما كتبت في الأسبوع الماضي، الموت المعلن لمنحنى فيليبس أعقبه تناغم وانسجام غريبان. من المستشارين الاقتصاديين لترمب إلى الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، رحب بعض صانعي السياسة بالاختفاء الظاهر للمقايضة بين التوظيف والتضخم، وهو ما يعنيه زوال منحنى فيليبس. على الرغم من اختلافاتهم الكثيرة، جمعهم احتفال برفع الحد الخاص بتحفيز الاقتصاد الكلي.
لكن كما سارع القراء ليقولوا لي، منحنى فيليبس لم يمت بعد. ومع أن جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أخبر ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز عضوة الكونجرس، أن العلاقة بين البطالة والتضخم ضعفت وأصبحت "دقات قلبها ضعيفة"، يصر كثير من الاقتصاديين على أن نبضات القلب لا تزال عالية وواضحة.
وفي الوقت المناسب، نشر باحثو البنك المركزي الأوروبي للتو ورقة عمل بعنوان "منحنيات فيليبس في منطقة اليورو"، مفادها أنها لا تزال موجودة. وجد أنطوان ليفي علاقة قوية بين البطالة المحلية "دون الوطنية" ونمو الأجور في المناطق الأوروبية. وقبل فترة من الزمن، أثبت أوليفر بلانشارد وجود علاقة مستمرة بين نمو الأسعار والبطالة في الولايات المتحدة. وأظهر مايكل ماكلاي وسيلفانا تينريرو، من بنك إنجلترا، أخيرا أن العلاقة التجريبية بين البطالة والتضخم قد تفشل في الظهور لأن البنوك المركزية تمارس عملها في تخفيف آثار التقلبات الاقتصادية، وليس لأنه لا يوجد تأثير لبعد الاقتصاد عن إمكانياته الكاملة في الأسعار. وللتكيف مع هذا، وجدوا "منحنى فيليبس قويا في البيانات الأمريكية".
لكن من المحتمل أن تكون كل هذه الأدلة على نجاة منحنى فيليبس مبالغ فيها إلى الحد الذي يمكن معه أن تتسبب في مشكلات - من منظور صنع السياسات، إن لم يكن البحث الاقتصادي.
لأنه إذا كان من الصحيح أن التأثير القوي لـ"الركود" (الموارد غير المستخدمة) في الاقتصاد في نمو الأسعار لا يزال مستمرا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو سبب بقاء نمو الأسعار أقل مما كانت تستهدفه البنوك المركزية بصورة صريحة، والمتوقع منذ فترة طويلة، أمام مواجهة انتعاش طويل مع معدلات نمو اقتصادي محترمة في مجملها. إن منحنى فيليبس القوي لا يعني فقط أن صانعي السياسة النقدية يمكنهم تحقيق هدف التضخم الخاص بهم من خلال دفع الاقتصاد إلى أقصى إمكاناته - يجب أن يتضمن الأمر عكس ذلك أيضا، وأن يظهر التضخم الضعيف أن صناع السياسة النقدية فشلوا في تحقيق ذلك.
لماذا هذا؟ إحدى الإجابات أنه بينما يظل منحنى فيليبس دليلا مفيدا للسياسة، فشلت البنوك المركزية في الاستفادة الكاملة منه - أي أنها لم تكن بالقوة نفسها التي أشار إليها التضخم المنخفض. (هذا التفسير، على فكرة، يلقي ظلالا من الشك على فرضية ماكليني-تينريرو بأن البنوك المركزية تبذل قصارى جهدها لتعويض الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد). إجابة أخرى أنهم بذلوا قصارى جهدهم، لكن سحر الاقتصاد القياسي الذي كانت له حاجة إلى تقدير آليات البطالة-التضخم، والعوامل السببية الأخرى التي تحتاج هذه التقديرات إلى حسابها، تعني أن منحنى فيليبس مدفون في علاقات اقتصادية أخرى لدرجة عدم وجود فائدة عملية كبيرة منه.
في كلتا الحالتين، ليس من الواضح ما الذي يجلبه إنكار موت منحنى فيليبس بالفعل إلى النقاش المتعلق بأين يجب أن تذهب السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة اليوم. هل يقصد المنبشون في قبر منحنى فيليبس أن يستخلصوا أن البنوك المركزية شددت كثيرا، أو أنها لم تخفف بشكل كاف؟ سيكون هذا استنتاجا مترابطا، لكن يجب ذكر ذلك، إلى جانب القول ببساطة أن منحنى فيليبس لا يزال ذا صلة.
من ناحية أخرى إذا كانت دفاعات منحنى فيليبس تهدف إلى ردع البنوك المركزية عن إبقاء السياسة النقدية مخففة - إذا تم تقديمها على أنها مبررات للتشدد - فيمكن تفسيرها في هذه الحالة على أنها مجرد جدل بأن الهدوء الحالي للتضخم هو بسبب الصدمات المؤقتة غير المتكررة ويجب ألا تؤخذ علامة على الطاقة غير المستغلة في الاقتصاد.
لكن هذا الرأي يجب أن يتعارض مع انخفاض توقعات التضخم في المستقبل، ما يدل على أن المشاركين في السوق لديهم رأي مخالف. جادل بينوا كوري، من البنك المركزي الأوروبي، في خطاب ألقاه أخيرا بأن الانخفاض الحاد في توقعات التضخم المشتقة من السوق ليس مدفوعا إلى حد كبير بانخفاض معدل التضخم المتوقع، بل بانخفاض عدم اليقين حول هذا التوقع. لكن لاحظ ما يعنيه هذا: أنه حتى وقت قريب، كان السبب الوحيد الذي جعل توقعات التضخم على المدى الطويل تبدو قريبة بما يكفي من الهدف هو ارتفاع درجة عدم اليقين، ليس لأن المعدل المتوقع في المستقبل كان قريبا من الهدف. بعبارة أخرى، معدل التضخم المستقبلي المتوقع بحد ذاته انخفض كثيرا من هدف البنك المركزي الأوروبي لفترة أطول مما كنا نعتقد. هذا سبب لمزيد، وليس قليلا من القلق بشأن صدقية البنك المركزي.
إذن، أينما نكون، يكافح دفاع منحنى فيليبس ليصبح حجة ضد الاستنتاج الرئيسي لأولئك الذين يعلنون أنه ميت، أي أن مزيدا من التحفيز ليس آمنا فحسب، بل هو ضروري. إن التئام الصفوف بقوة وراء هذا الاستنتاج من شأنه أن يحقق كثيرا من الخير.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES