FINANCIAL TIMES

فتح الملفات القديمة .. تهديد ياباني بخنق صناعة الإلكترونيات الكورية

جبهة المواجهة الأخيرة في الخلاف التجاري بين اليابان وكوريا الجنوبية تعد جبهة سامة. "إذا استنشقتها، تموت" حسبما قال خبير في فلوريد الهيدروجين المستخدم لتنظيف وتنميش رقائق السليكون الصغيرة المستخدمة في شرائح الكمبيوتر.
هذه المادة هي في قلب المواجهة المتصاعدة بشأن التعويض عن العمل القسري في زمن الحرب العالمية الثانية، الذي جعل اليابان تفرض قيودا متزايدة على الصادرات إلى الدول المجاورة. طوكيو تشدد على أن جميع مزاعم العمل القسري أثناء الحكم الاستعماري الياباني لكوريا تمت تسويتها في اتفاقية عام 1965، لكن في العام الماضي قضت محاكم كوريا الجنوبية بأن الاتفاقية لم تطبق على القضايا الفردية، ما أعاد القضية الحساسة للغاية إلى السطح.
هذا الشهر انتقلت طوكيو التي تتمتع بمركز مهيمن في السوق العالمية في قطاع تصنيع الإلكترونيات، إلى تقييد صادرات فلوريد الهيدروجين، إضافة إلى مادة البولياميد المعالجة بالفلور ومقاومات الضوء - التي تعد من بين عشرات المواد والمكونات المهمة لتصنيع الإلكترونيات الكورية الجنوبية.
قطع أو تأخير إمدادات المواد الكيماوية يهدد بخنق الإنتاج في كوريا الجنوبية ويؤدي إلى فوضى في صناعة التصدير ذات القيمة الأعلى. لكنه كذلك يفتح حدودا تجارية جديدة، ما يضطر عمالقة التكنولوجيا في البلاد إلى اللجوء إلى الصين في بحث عاجل عن مصادر بديلة.
هذا التغير ينطوي على بث حياة جديدة في مسعى بكين المستمر منذ عقود لتأمين الاعتماد على الذات في رقائق الكمبيوتر - محاولة تسارعت وتيرتها في ظل رئاسة شي جينبينج، الرئيس الصيني الذي وصف الاعتماد على الخارج في التكنولوجيا بأنه "الخطر الخفي الأعظم" الذي يواجه البلاد ـ وكذلك في ضوء الحرب التجارية الجارية بين أمريكا والصين.
"لأغراض إدارة المخاطر، تحتاج الشركات الكورية الكبرى أن تبحث في مكان آخر (...) هذا التغيير سيفتح بابا (للموردين الصينيين)، هذا أمر مؤكد"، بحسب سانجيف رانا، وهو محلل لدى شركة سي إل إس أي الاستشارية مقيم في سيئول.
استنادا إلى شخص مطلع، "سامسونج إلكترونيكس"، أكبر منتج في العالم لرقائق الذاكرة، من بين الشركات التي بدأت في اختبار بدائل صينية الصنع لغاز التنميش الياباني عقب بدء الخلاف مع طوكيو.
لكن صناعة الرقائق الصينية لديها مشكلاتها الخاصة. ففي الوقت الذي تتطور فيه الصناعة بسرعة من حيث الحجم والبراعة، يظل كبار المصنعين في البلاد متخلفين بفارق سنوات عن منافسيهم في الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية.
"بصرف النظر عن 40 عاما من الاستثمار والتجسس، لم تتمكن "الصين" من تصنيع أشباه موصلات متقدمة (...) 16 في المائة فقط من أشباه الموصلات المستخدمة في الصين يتم إنتاجها داخل البلاد، نصفها فقط من صنع شركات صينية"، وفقا لجيمس لويس، مدير برنامج سياسة التكنولوجيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مؤسسة فكرية أمريكية.
مختصون في مجال صناعة الرقائق في سيئول أشاروا أيضا إلى أن الشركات الصينية ربما لا تكون قادرة حاليا على إنتاج منتجات مثل غاز التنميش بالجودة نفسها التي تقدمها المجموعات اليابانية؛ أكبر مصنعي هذه المواد الكيماوية في العالم.
قال دانييل كيم، المحلل في "ماكواير": "بالنسبة لشركات أشباه الموصلات، عائدات الإنتاج هي كل شيء. هذا هو السبب في كونها محافظة للغاية، أو مترددة، بشأن تبديل بائعي المواد الكيماوية "اليابانيين" في عملياتها. التغيير الطفيف في تركيبة المواد، أو الوصفة، ربما يؤثر في الإنتاج".
في الوقت نفسه، هناك أيضا مخاطر أمنية ملموسة بالنسبة للبلدان التي تعتمد على سلسلة التوريد في الصين، بالنظر إلى سجل البلاد في مشكلات حماية الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا القسري. هذه مخاوف ليست فقط من جهة صانعي الرقائق الذين يزودون شركات أمريكية مثل "أمازون" و"أبل" و"مايكروسوفت"، لكن أيضا من طرف الحكومات في سيئول وواشنطن.
"مساعدة كوريا أو اليابان أو تايوان على حماية تلك التكنولوجيا هي حقا مصلحة أمنية قومية للولايات المتحدة"، حسبما قال أحد الدبلوماسيين الغربيين الكبار.
من ناحية استراتيجية، التحول نحو الصين ينطوي، كما قال مارك نيومان، المحلل في "بيرنشتاين"، على إمكانية "وضع كوريا في معسكر الصين بدرجة أكبر، مقابل اليابان الموجودة بصورة أكثر وضوحا في معسكر الولايات المتحدة"، مضيفا: "وهذا يمكن أن يفيد الصين وحدها لأنها تجري تطويرا لسلسلة توريد أشباه الموصلات بأكملها. هذا من شأنه أن يساعدها في مسعاها".
قيود التصدير على مواد الرقائق ربما تكون مجرد البداية. إذا نجحت طوكيو في تهديدها بإزالة كوريا الجنوبية من "القائمة البيضاء" لشركائها التجاريين الموثوق بهم، فإن مشكلات سلسلة التوريد في كوريا الجنوبية يمكن أن تمتد بسرعة لتشمل مجموعة من القطاعات الأخرى.
وزارة الاقتصاد اليابانية تعمل على جمع عدد كبير من تعليقات الجمهور بشأن "القائمة البيضاء"، يعتقد أنها ستصل إلى عشرات الآلاف. واستنادا إلى مسؤولين مطلعين على العملية، من المرجح أن يكون أقرب موعد لقرار الحكومة هو الثاني من آب (أغسطس).
إذا مضت طوكيو في تنفيذ تهديدها، ستكون الشركات الكورية الجنوبية ملزمة بالسعي للحصول على موافقات فردية على 857 من المواد الاستراتيجية البالغ عددها 1120 مادة تستوردها من اليابان، وفقا لمذكرة بحثية من شركة كوريا إنفستمنتز آند سيكيوريتيز.
ومع أن اليابان لم تقل أنها ستقطع الإمدادات تماما، إلا أن هناك مخاوف من أن عملية الاستيراد ربما تستغرق شهورا، ما يعطل الإنتاج عبر سلسلة التوريد التكنولوجية.
إلى جانب أشباه الموصلات، يمتلك الموردون اليابانيون حصصا كبيرة في سوق المكونات والمواد المستخدمة في الهواتف الذكية رفيعة المستوى، إضافة إلى شاشات العرض عالية الجودة، والإلكترونيات الاستهلاكية، وفقا لبحث أجرته "سي إل إس أي".
المخاوف كبيرة بشكل خاص في قطاع الإلكترونيات، لكن بارك تشونج هون، رئيس أبحاث كوريا الجنوبية في "ستاندرد تشارترد"، قال إن صناعات التصدير الرئيسة الأخرى مثل البتروكيماويات، ومصافي التكرير، وصناعة السيارات المعتمدة على الهيدروجين، وصناعة الآلات "ستتضرر بشدة من جراء الخطوة التي اتخذتها اليابان".
"جولدمان ساكس" يقدر أن ما يصل إلى 97 في المائة من واردات كوريا من اليابان - 52.2 مليار دولار من الواردات في العام الماضي - يمكن أن تعاني اضطرابات مؤقتة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES