FINANCIAL TIMES

اليابان تخطط للتخلص من عبء "البنكنوت" بحلول 2027

في أوائل تموز (يوليو) الماضي، ظهر الرئيس التنفيذي لشركة 7 باي البالغ من العمر 61 عاما على شاشة التلفزيون، للاعتذار عقب تحول إطلاق أكثر خدمات الدفع بواسطة الهاتف المحمول في اليابان كان ينتظرها الناس، إلى كارثة.
بعد أن كافح لشرح السبب وراء تعرض نظامه غير النقدي - الذي تم نشره عبر شبكة الشركة التي تتألف من 21 ألف متجر من سلسلة 7 إلفن إلى 1.5 مليون مستخدم - للاختراق والاحتيال في غضون ساعات من انطلاقها على الإنترنت، سُئل تسويوشيكوباياشي عن الحماية القياسية التي تتألف من "مصادقة من خطوتين".
ردا على ذلك، كرر كوباياشي ببطء العبارة في نغمات مضطربة لشخص يسمعها للمرة الأولى، وأخبر الأمة بكل ما تحتاج إلى معرفته.
أصبح هذا الحادث جزءا من أمثولة كبرى لليابان الحديثة، بلد في توتر دائم بين صورته ذات التكنولوجيا العالية، وواقع كبار السن من المستهلكين والفرص الضائعة.
اخترعت اليابان اثنين من التكنولوجيات غير النقدية الرئيسية التي نشرتها بلدان أخرى للقفز عليها.
وعلى الرغم من أن طموحها في تحويل واحد من أكثر المجتمعات المهووسة بالنقد في العالم، إلى واحد من أقلها هوسا بحلول حزيران (يونيو) 2027 قد يكون حقيقيا، كذلك هي عوامل الجهل الإداري والاكتظاظ الشديد في الأسواق والعقبات الهيكلية والديموغرافية التي تقف في طريقها.
على مدار العامين الماضيين، وضعت الحكومة اليابانية وشركاتها خططا لهذه الثورة - يمكن أن تعيد تشكيل وتنشيط اقتصاد ثالث أكبر اقتصاد في العالم، كما يقول البعض، وتساعد معركة اليابان المستمرة منذ عقود مع الانكماش.
من هذه الخطط "الرؤية غير النقدية" من قبل الحكومة لمضاعفة نسبة معاملات البطاقات والنقود الإلكترونية، من مستوياتها المنخفضة الحالية خلال السنوات الثماني المقبلة، لإنشاء سوق غير نقدية بقيمة تبلغ أكثر من تريليون دولار.
من يقود هذه المسيرة هو رئيس الوزراء شينزو آبي، حيث تتطلع حكومته إلى الاستفادة من الزيادة المتوقعة في عدد السياح قبيل أولمبياد طوكيو 2020، وزيادة ضريبة المبيعات في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، التي يأملون أن تشجع شركات التجزئة على استبدال المعاملات النقدية كثيفة العمالة، بأنظمة دفع رقمية أكثر كفاءة.
أحد العوامل المهمة وراء هذا الضغط تقلص عدد السكان في سن العمل في اليابان - وهو مورد محدود لم يعد بالإمكان إهداره في العمليات كثيفة العمالة اللازمة في تداول الأموال.
والعامل الآخر جانب اقتصادي بحت: يقدر معهد نومورا للأبحاث أنه يكلف البلد نحو 15 مليار دولار سنويًا للتعامل مع النقد الذي يستخدمه: وهي نفقات يمكن توظيفها بشكل أفضل في أماكن أخرى.
يقول محللون في بنك يو بي إس إنهم يعتقدون أن نحو 40 في المائة من المدفوعات في البلاد لن تكون نقدية بحلول عام 2026، إن اليابان تقترب من نقطة التحول.
بدأت المصارف في تقليص أعداد شبكاتها من أجهزة الصراف الآلي لخفض التكاليف، بشكل حاد.
يقول المحللون إنه على الرغم من ظهور هذه الظاهرة في بلدان أخرى إلا أنها أكثر وضوحا في اليابان، بسبب النقص المزمن في اليد العاملة الذي يتردد صداه أصلا في قطاعات البيع بالتجزئة والمطاعم.
يقول تاتسوفو ميساكاي، الرئيس التنفيذي لمجموعة ميزوهو المالية التي أطلقت خدمة العملة الرقمية، ووضعت خططا لإغلاق نحو 20 في المائة من شبكتها التي تضم 500 فرع: "ينتشر التحول الرقمي بمعدلات مذهلة، لذا من المهم ألا نبقى راضين عن الوضع الراهن ونتخذ خطوات فعالة لمعالجة هذه التغييرات الهيكلية".
يقول هيروميتشيشيراكاوا، وهو استراتيجي في بنك كريدي سويس، إن إحدى النتائج الثانوية هي أن الاستخدام الأكبر للتسويات الرقمية يجب أن يقلل من "تكاليف قائمة" – ما يحقق طموحا طويل الأمد لبنك اليابان المركزي، لجعل الأسعار أقل جمودا وزيادة التضخم.
يشير شيراكاوا إلى الطغيان الغريب للورقة النقدية من فئة الألف ين، التي ثبتت سعر صفقات الغداء في اليابان لأعوام، على الرغم من تقلبات أسعار المدخلات.
كتب شيراكاوا: "ينبغي أن تؤدي زيادة اعتماد تقنيات التسوية غير النقدية إلى تمكين تجار التجزئة من ضبط أسعار إنتاجهم بشكل أكثر تواترا. بدلا من أن تبقى مقيدة بـ وحدة الألف ين".
يحدث هذا التحول في ظل خلفية من القلق الشديد بشأن المكانة الوطنية. عندما استضافت اليابان الألعاب الأولمبية في عام 1964، أبهرت العالم بتكنولوجيتها؛ وهي تريد أن تفعل الشيء نفسه في العام المقبل، وتخشى أن تتعرض للإذلال من الزائرين الذين قد يكتشفون أن اليابان لا تزال لديها متاجر بيع بالتجزئة كبيرة للأطعمة، وعيادات طبية ومطاعم وفنادق لا تقبل سوى النقد.
كتب آبي على تويتر في شباط (فبراير) الماضي، مع صورة له وهو يحمل بشكل محرج جهاز آيباد يتفحص رمز QR لدفع ثمن باقة زهور: "تلك كانت المرة الأولى، لذلك كنت متوترا للغاية، لكن ما يبعث على الارتياح أن الأمر كان سهلا للغاية. نأمل في التوسع غير النقدي بشكل كبير في اليابان استعدادا لعصر يضم 40 مليون سائح أجنبي من 31 مليونا في عام 2018".
على الرغم من هذه الطموحات، فقد ارتفع حجم النقد المتداول في اليابان في الواقع خلال الـ20 عاما الماضية.
وفقا للأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة في عام 2018، كانت نسبة المعاملات غير النقدية في اليابان إلى إجمالي الاستهلاك المنزلي أقل بكثير من الاقتصادات الكبيرة الأخرى، عند 18 في المائة.
كانت كوريا عند نحو 90 في المائة، وكانت النسبة في بريطانيا عند أكثر من 55 في المائة وفي الولايات المتحدة عند أكثر من 45 في المائة. ألمانيا فحسب، من ضمن الاقتصادات الكبرى، كانت لديها نسبة أقل من المعاملات غير النقدية عند 15 في المائة.

الفرص الضائعة
في عام 1988، بدأت شركة سوني بتطوير تكنولوجيا "فلي كا" FeliCa، وهي نموذج مبكر لتكنولوجيا اتصالات المجال القريب التي ستستخدمها شركة أبل باي Apple Pay لاحقا.
تم استخدام رقائق "فلي كا" لإنشاء بطاقات أوكتوبس Octopus الذكية في هونج كونج في عام 1997، لكنها لم تصبح سائدة في اليابان إلا عبر هواتف يطلق عليها اسم محافظ محمولة osaifu-keitai تعمل على تقنية "فلي كا" في عام 2004. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا النظام جزءا لا يتجزأ من الروتين اليومي من وسائل النقل العام إلى فتح الأبواب.
يقول المحللون إن إدمان اليابان المتأصل بعمق في النقد ينبع جزئيا من عدم ثقة أساسي بالنظم المالية. تسهم معدلات الجريمة المنخفضة أيضا في ذلك، الأمر الذي يعني أن الناس سعداء بحمل كميات كبيرة من المال معهم.
وقد أدى ذلك إلى عرقلة انتشار الأنظمة غير النقدية التي ترسخت في أماكن أخرى من العالم، على الرغم من أن التكنولوجيا التي كانت وراءها كانت غالبا رائدة في اليابان. عندما أطلقت شركة 7 با نظام الدفع الرقمي الفاشل، انضمت إلى قائمة طويلة من الأنظمة غير النقدية التي تستخدم رمز QR- وهي تقنية تم تطويرها منذ ربع قرن كوسيلة لتتبع المكونات في سلسلة التوريد لدى شركة تويوتا.
وكان قد تم اعتماد تقنيات يابانية أخرى، بما في ذلك نظام "فلي كا" من "سوني" للمدفوعات اللاسلكية، في أماكن مثل هونج كونج لبطاقات سفر أخطبوط التابعة لها قبل أعوام من تحولها إلى تيار رئيس في اليابان.
لذلك عندما تم إطلاق مشروع باي-باي PayPay المشترك بين "سوفتبنك وياهو" في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، جاءت التكنولوجيا الأساسية من "باي تم" أكبر شركة مدفوعات للهواتف المحمولة في الهند.
يقول فيجاي شيخار شارما، مؤسس شركة باي تم: "من الجنون بالنسبة إلى شركة هندية أن نتمكن من أن نجلب لليابان ما اخترعناه. التكنولوجيا والقوة والموارد هي سبب نجاح شركة باي-باي" كان التهديد من الأمن السيبراني يلقي بظلاله على الصناعة الناشئة قبل فترة طويلة من فشل شركة 7 باي. عندما أطلقت شركة باي-باي حملة استرداد نقدي سخية بنسبة 20 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، للإعلان عن خدمة الدفع عبر الهاتف المحمول الجديدة، تلقت بسرعة شكاوى من بعض المستخدمين الذين تم تحصيل رسوم منهم مقابل عمليات شراء. وقد وضعت منذ ذلك الحين عدة تدابير لمنع الاحتيال على بطاقات الائتمان.
ومع ذلك فإن الحوافز الشركات للتحول إلى تعاملات غير نقدية هي حوافز هائلة. يقدر معهد نومورا للأبحاث أن الجزء الأكبر من تكاليف اليابان السنوية البالغة 15 مليار دولار في التعامل مع النقد، يرجع إلى ارتفاع تكاليف العمالة، في حين أن تقديرا أوسع نطاقا آخر من مجموعة ميزوهو المالية يتضمن التكاليف لمرة واحدة، يرفع الرقم إلى ثمانية تريليونات ين (74 مليار دولار). على الجانب الإيجابي، إذا أصبح أي متجر يتعامل بغير النقد، فمن المقدر أن يزيد عدد العملاء في المتوسط بنسبة 2.1 في المائة، بزيادة مبيعات كل عميل بنسبة 1.6 في المائة، وفقا لما ذكره مركز الأبحاث.
بتشجيع من هذه الأرقام، تجري شركة تدير مطاعم "رويال هوست" في اليابان، تجربة متجر غير نقدي في وسط طوكيو منذ نهاية عام 2017. كان هناك انخفاض كبير في الوقت الذي يقضيه مديرو المتاجر في التعامل مع النقدية.
ويستقطب المتجر خمسة أضعاف طلبات الوظائف أكثر من المنافذ الأخرى ذات الحجم المماثل في طوكيو.
الشركة لا تغلق الباب على النقد. "يجب أن يكون لدى العملاء أيضا خيار استخدام النقد"، كما تقول متحدثة باسم الشركة. "لذلك فإن الاتجاه العام لدينا هو عدم التخلص من النقد، بل تقليل العمالة المرتبطة بإدارة النقد".
تتمثل المعضلة التي تواجه الشركات في أنه مهما كانت العقبات، فإن أيا منها لا يريد أن تكون مستبعدة من الطفرة غير النقدية. نتيجة لذلك، يجد المستهلكون أنفسهم أمام كثير من الخيارات للاختيار من بينها.
يقول ماسانوريكوسونوكي، وهو أستاذ زائر وخبير في الأمن السيبراني في الجامعة الدولية في اليابان: "هذا هو الحال بالنسبة إلى الشركات اليابانية. عندما تكون هناك طفرة، يدخل الجميع فيها، ونتيجة لذلك، تصبح الأمور متداعية على وشك السقوط".
دخلت مجموعات تكنولوجية مثل "لاين" في تطبيق المراسلة، ومجموعة راكوتن للتجارة الإلكترونية التي ترعى فريق برشلونة، وشركة ناشئة للدفع عبر الهاتف المحمول، سوق خدمات الدفع بواسطة الهاتف الجوال برمز QR في وقت مبكر يعود إلى عام 2014. وقد شهدت الأشهر الـ12 الماضية تدفقا من لاعبين تقليديين كبار، بما في ذلك أكبر ثلاث شركات للهاتف المحمول في اليابان و"سوفتبنك" وشركات تجزئة مختلفة.
حتى الآن ليس هناك فائز واضح، على الرغم من أن شركة باي-باي كانت الأسرع نموا بعمالة تفوق ثمانية ملايين مستخدم مسجل خلال أقل من عام.
في استطلاع أجرته شركة أبحاث في شباط (فبراير) الماضي، توصل إلى أن 20 في المائة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع، قالوا إنهم استخدموا خدمات الدفع عبر الهاتف الذكي خلال العام الماضي.
من هؤلاء الأشخاص، استخدم 4.9 في المائة "راكوتن باي"، يليهم 3.8 في المائة لشركة باي-باي، و 3.3 في المائة لشركة أبل باي و 3.1 في المائة لشركة لاين باي.
على الرغم من السوق التنافسية، يقول المسؤولون التنفيذيون في الصناعة إن هذا لا يشكل طوفان المنافسين - حيث تكافح حتى عملاقتا التكنولوجيا العالميتان: "أبل" و"أمازون" لإحراز تقدم كبير في اليابان - التحدي المتمثل في تفكيك عقلية "النقد هو السلطان" هو الذي يشكل العقبة الكبرى.
لا يزال النقد المادي هو الخيار المطمئن لكثير من اليابانيين، خاصة بالنسبة إلى 30 في المائة من السكان يتوقع أن يزيد عمرهم على 65 عاما بحلول عام 2025.
يقول شيجينوبوكوباياشي، المسؤول التنفيذي في شركة راكوتن بيمنت: "لسنا حقا في مرحلة القلق بشأن منافسينا. أكبر عدو لنا هو النقد. على الرغم من كثرة خيارات الدفع الأخرى الموجودة هناك، إلا أن النقد لا يزال هو المسيطر، وهذا تحد لا نهاية له بالنسبة لنا".
يقول يانجسوكو، الرئيس التنفيذي لشركة لاين باي إنه لكسر هذا الإدمان، لن يكفي إثبات أن مدفوعات الهاتف المحمول آمنة ومناسبة فحسب، بل يحتاج المستخدمون أيضا إلى حوافز اقتصادية.
يقول يانجسو: "تحتاج شركة لاين باي إلى ضمان الأمن والموثوقية والألفة التي توفرها النقود، لكننا بحاجة أيضا إلى تقديم شيء أكثر. إذا كنا نرغب في تغيير تجربة المستخدمين التي تعتمد على النقد، فيجب علينا مواصلة تقديم المزايا حتى يشعر الناس أن "لاين باي" أفضل من النقد".
على غرار الحملات التي أطلقها المنافسون، تقدم شركة لاين حملة مجانية لمدة ثلاثة أعوام لتجار التجزئة الصغار ومتوسطي الحجم، لتقليص الضغط المالي للتحول إلى نظام غير نقدي.
في نهاية المطاف، تأمل في إقناع أصحاب المتاجر أن التكاليف الإضافية للمعاملات من خلال شركة باي لاين، التي تضم 36 مليون مستخدم مسجل في اليابان، سيتم تعويضها بزيادة في المبيعات.
في شركة راكوتن، يقول كوباياشي إن المفتاح لإطلاق الإمكانيات غير النقدية هو حب اليابان لنقاط الولاء، التي تقدر بنحو 30 في المائة من إنفاق المستهلكين في البلاد. ترغب المجموعة، التي تقدم أيضا الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول وخدمات بطاقات الائتمان، في إنشاء نظام حيث نقاط الولاء من خدمات الدفع غير النقدية، تساعد على زيادة الإنفاق في أكثر من ثلاثة ملايين متجر تعاقدت حتى الآن لاستخدام التكنولوجيات.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES