وقفة مع إحصائية الحوادث المرورية

|

كشفت الإدارة العامة للمرور عن إحصائية المخالفات المرورية لعام 1439هـ، حيث بلغ مجموع المخالفات 38.8 مليون مخالفة موزعة على ستة أنواع من المخالفات، هي: السرعة الزائدة، والتجاوز الخاطئ، والقيادة من دون رخصة، وتجاوز الإشارة المرورية، وعدم ربط الحزام، واستخدام الهاتف. وتضمن التقرير تفصيلا بعدد المخالفات لكل نوع من المخالفات، وعدد المخالفات، ونسبها حسب مناطق المملكة.
استوقفني هذا الرقم الكبير، وتساءلت عن الأسباب التي تجعل قائدي السيارات يتعمدون الوقوع في المخالفات، رغم أن التعليمات موجودة على الطرقات، وكذلك أجهزة ساهر مزروعة بشكل لافت نظرا لكثرتها، فهل السبب الاستهتار بالأنظمة، أم قلة الوعي؟ وماذا عن المحافظة على النفس والمال لو تم تفادي الوقوع في المخالفات، وهل رخصت الأنفس والمال في نفوس من يقعون في المخالفات، أم ماذا من أسباب؟!
السرعة الزائدة بلغت ما يقارب 22 مليون مخالفة، مع أن السرعة تمثل أحد الأسباب الرئيسة للحوادث القاتلة، والمسببة للإعاقات المستديمة، وإتلاف المال، وإذا أضفنا عدد مخالفات استخدام الجوال أثناء القيادة التي بلغت ما يقارب نصف مليون يتشكل لدينا ثنائي الأسباب المميتة التي تحصد الأرواح، والإعاقات الشديدة، وهذا يفرض علينا السؤال تلو السؤال: ما الإجراءات والأساليب الواجب اتخاذها للحد من هذه السلوكيات الخاطئة؟!
مخالفة عدم ربط الحزام بلغت ما يقارب ثلاثة ملايين مع تأكيد الجهات المعنية على أهمية ذلك لتخفيف الآثار الناجمة عن السرعة، أو الأحداث الطارئة الناجمة عن انحراف مفاجئ، أو تصادم، أو أي خلل يحدث في السيارة. وهذا الرقم كبير مع أن ربط الحزام لا يكلف شيئا، ولا يحتاج إلى جهد وكل ما يتطلبه الأمر تعويد النفس لتتحول إلى ممارسة ثابتة للمرء كلما ركب السيارة، قائدا، أو راكبا مع آخر.
من المقابلات التي تجرى مع معوقي الحوادث المرورية يتأكد، وبصورة جلية وقوعهم في إحدى هذه المخالفات، إما السرعة، أو استخدام الجوال، أو عدم ربط الحزام، فمتى يتشكل لدينا الوعي الذي يمنعنا من مخالفة التعليمات المرورية لنحافظ على أرواحنا، وممتلكاتنا، ونعيش حياة سوية، بلا إعاقات؟! مخالفة تجاوز الإشارة المرورية بلغت 300 ألف مخالفة رغم التحذيرات الشديدة من ذلك؛ لما يترتب على ذلك من إزهاق أنفس بريئة، أو إعاقات شديدة لأناس ليس لهم ذنب إلا أن المصادفة جاءت بهم في ذلك المكان الذي وجد فيه مستهتر بالأنظمة، وبأرواح الآخرين. 
ومن المخالفات القيادة من دون رخصة، حيث بلغت 300 ألف مخالفة. والسؤال لماذا يتعمد الناس القيادة من دون رخصة، رغم التعليمات الصارمة، والجزاءات، كالسجن، والغرامة، وتوافر الفرص النظامية، وشركات تعليم القيادة والتدريب عليها للحصول على الرخصة في كل مناطق المملكة؟! في ظني أن افتقاد الوعي عند البعض، وعدم إدراك خطورة هذا السلوك، إضافة إلى حالة التراخي التي وصلت حد التسيب خلال العقود الماضية جرأت كثيرين سعوديين وغيرهم على الإقدام على ذلك، وينطبق على هؤلاء القول: من أمن العقوبة أساء الأدب.
مخالفة التجاوز الخاطئ بلغت 75 ألف مخالفة، وأعتقد أن هذا الرقم أقل بكثير مما يحدث في الميدان، فهي ممارسة تحدث في داخل المدن، وعلى الطرق السريعة، لكن ربما هذا ما تم رصده لأن ما نشاهده يفوق هذا الرقم بكثير، فالبعض تراه كالثعبان في قيادته من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال ثم إلى الوسط، وبشكل مفاجئ، ودون استخدام الإشارة لتغيير المسار، وكأنما الشارع وجد له دون غيره.
الإحصائية العامة بالتأكيد ليست شاملة لكل المخالفات، فالوقوف الخاطئ في الشوارع، وفوق الأرصفة ربما لم يدخل ضمن الإحصائية، إضافة إلى المخالفات التي لم ترصد آليا، أو بشريا. ومهما تكن الإحصائية النهائية الدقيقة فما بين أيدينا كفيل بأن ينبهنا لخطورة الممارسات الخاطئة في شوارعنا، سواء ارتكبها مواطنون، أو وافدون، كالسائقين الذين يقعون في المخالفات عن قصد، أو غير قصد.
اللافت للانتباه أن الرياض حازت على أعلى نسب المخالفات من بين مدن المملكة، حيث بلغت النسبة 72 في المائة، وهذه نسبة لافتة للانتباه تستوجب البحث عن الأسباب، فهل الكثافة السكانية هي السبب، أم الشوارع، وتنظيمها، وكثرة التحويلات المرتبطة بالمشاريع، أم قلة الوعي، أم عدم الرصد الجيد للمخالفات، على عكس المدن الأخرى التي ربما يتراخى فيها الجهاز المروري عن القيام بواجباته؟ كل هذه أسباب محتملة.
بجانب البحث الجاد عن الأسباب، والسعي الحثيث لمعالجتها لابد من التوعية المستمرة بشأن القيادة السليمة، وخطورة المخالفات المرورية على الفرد، والمجتمع. ويفترض استهداف النشء الصغير في المرحلة الابتدائية ببرامج التوعية المصورة لأحداث حقيقية، وما نجم عنها من أضرار، إضافة إلى عرض مقابلات مع أفراد تعرضوا لحوادث، نتيجة عدم الالتزام بالأنظمة، لنغرس قيمة النظام والمحافظة عليه.

إنشرها