ثقافة وفنون

الأدب الإفريقي .. السُمرة حين تكشف عن حسنها

من القواعد الذهبية التي عرفتها من خلال قراءاتي أنه كلما كانت الشعوب تعاني وتتألم، كانت أكثر قدرة على إنتاج أدب جيد، يعكس تلك المآسي وينادي بالحرية والعدالة، وهذا ما نجده في الأدب الإفريقي الخصب، فقد جسد عديدا من المآسي التي حدثت في بلدان القارة السوداء، سواء كان أدب الأفارقة السود الذين عانوا الظلم والاضطهاد والتهميش والاستعمار والحروب الأهلية، أم أدب إفريقيا كلها المتنوع الذي يعكس جمال بلدانها وثقافة شعوبها.
ورغم أن الأفارقة ظلوا لفترات طويلة يتحدثون عن مشكلاتهم وأحلامهم بالاستقرار والحياة الكريمة، فإنهم بعد التحرر والاستقلال ما زالوا ينتجون أدبا عظيما يعبر عن حياتهم ويناقش مشكلاتهم المستجدة، ونجد في عصرنا الحالي عديدا من الأدباء المتميزين على رأس كل الدول الإفريقية مثل نيجيريا وإريتريا والسودان ومصر وغيرها من الدول.. هنا سنلقي نظرة على بعض الأعمال الأدبية الإفريقية والقضايا التي ناقشتها.
قبل أن أتحدث عن الأعمال الأدبية الإفريقية يجب أن أنوه بأن بعض المستفرقين "المهتمين بالشؤون الإفريقية من الغرب"، اتفقوا على تقسيم الأدب الإفريقي إلى قسمين: قسم الدول الإسلامية الإفريقية، التي يعيش فيها جزء كبير من العرب، والنصف الثاني هو إفريقيا السوداء المغمورة بعض الشيء، وهي التي أعنيها بحديثي هنا، بجانب كل ذلك كان الأفارقة السود يعتمدون على رواية حكاياتهم بالمشافهة وليس التدوين، ومن دوَّن منهم كتبها بلغاتهم المحلية وليس عن طريق لغة واحدة تجمعهم، إضافة إلى عدم اهتمام حركة الترجمة بمثل هذه الأعمال.

الأشياء تتداعى
يروي لنا تشينوا أتشيبي الكاتب النيجيري الموهوب في رائعته "الأشياء تتداعى" عن الحياة الإفريقية، التي استطاعت أن تلفت أنظار العالم إلى وطن إفريقي ودولة تدعى نيجيريا، كتب أتشيبي عن الحياة الإفريقية في نيجيريا، واستطاع أن يقدم لنا عملا فريدا ورسما دقيقا لشكل الحياة النيجيرية في الوقت نفسه، فاستطاع أن ينقل لنا حياة كاملة بين صفحات الرواية من خلال حديثه عن أدق التفاصيل في القبيلة، وكيف يعيشون ومراسم دفنهم وخلافه.
الأدب الإفريقي متعة أدبية مغمورة وحديث طويل عن بلاد موجوعة يسودها الظلام، سيكون من الرائع إن قرأت عنه وفتحت عينيك على ثقافات تجهلها في القارة السمراء.
تحكي الرواية عن أكونكو البطل الذي يمثل قبيلته في القرية، البطل المغوار المثالي الذي سنتتبع قصته من بدايتها إلى نهايتها، لنراه يقع في جريمة قتل، وينفى خارج البلاد لمدة سبع سنوات ويعود ليجد وطنه قد تغير، فخلال السنوات تمكن الدين المسيحي من التغلغل في القرية ولم يستطع أن يتقبل هذا التغير ويقاوم دين الآلهة، حتى تأتي النهاية المأساوية المشوقة.
بعيدا عن القصة المشوقة نجد الكاتب وصف لنا كثيرا مما نجهله في إفريقيا مثل التقاليد المثيرة للاستغراب، مثل لعنة الآلهة من إنجاب التوأم، أو إمكانية الزوج الواحد الزواج من تسع سيدات ولا تكنّ واحدة منهن للأخرى أي ضغينة، بل كل شيء بينهن يقع في محبة ووئام، بجانب تعاملهم مع المقتولين والمنتحرين، الذي ستكتشفه بنفسك في الرواية.

نصف شمس صفراء
رواية نيجيرية أخرى تروى لنا ما حدث في نيجيريا من حرب أهلية بين ستينيات وسبعينيات القرن الـ20، جمعت تشيماماندا أديتي الكاتبة الإفريقية المميزة في روايتها بين التاريخ والسياسة والحب والحياة، فروت لنا قصة ملحمية تجمع بين الحب والأسى في وجود الحرب الأهلية التي عايشتها في الحقيقة ورأت أبويها يتألمان لما فعلته الحرب بهما من فقد وموت لأقربائهما.
كانت تشيماماندا طرفا حقيقيا في هذه الحرب، لمستها المعاناة، واستطاعت ببراعتها أن تفعل شيئا يساعد وطنها فقامت بالكتابة عنه، ورغم أنها كانت تنتمي إلى القبائل الجنوبية، الذين هم أساس قيام الحرب، فإنها كانت موضوعية وكتبت الرواية بوجهة نظر حيادية، ما أعطاها مصداقية أكثر، هذا إضافة إلى أنها رسمت الشخصيات من منظورهم الداخلي وليس من وجهة نظر الحرب، فكانت أكثر واقعية في أنها أضافت مزيدا لا يعرفه كل الناس عن هذه الحروب، واستحقت أن يكون مؤلفها عملا أدبيا مميزا عن جدارة.

حالات عصابية
كتبت تسيتي دانجار يبمجا الكاتبة الزيمبابوية واحدة من أفضل مائة رواية في تاريخ الروايات الإفريقية كلها وفي مؤلفات القرن الـ20 كذلك، وكعادة كل الأفارقة تنبع كتاباتهم من حياتهم ومآسيهم الحقيقية التي يكابدونها، فقد عاشت هذه الكاتبة في ألمانيا واستطاعت أن ترى الفارق الشاسع بين الفتيات الأوروبيات والفتيات الإفريقيات، واستطاعت أن تسرد بأناملها واحدة من الروايات المعاصرة المعبرة التي تروي معاناة الفتاة الإفريقية على الدوام من الحرمان من التعليم والزواج المبكر والتفضيل الدائم للذكر وتسخير الحياة لرعاية الأسرة.
الأدب الإفريقي متعة أدبية مغمورة وحديث طويل عن بلاد موجوعة يسودها الظلام، سيكون من الرائع إن قرأت عنه وفتحت عينيك على ثقافات تجهلها في القارة السمراء.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون