التحرر من النفط لا يعني انكماش صناعته «3»

|


عودا على بدء، ذكرت في المقالين السابقين أن هناك لبسا لدى البعض حول ماهية التحرر من النفط، وأن هناك من يظن أن ذلك يعني الاستغناء عنه كليا، وهناك من يرى أن تحقيق هذا التحرر يعني بالضرورة انكماش الصناعة النفطية. أوضحت أنه ليس هناك أي تعارض بين التحرر من النفط ورفع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى 50 في المائة من مجمل الإيرادات بحلول عام 2030 -بإذن الله- وبين التوسع في صناعته، وبالتالي ليس هناك علاقة عكسية تجمعهما. تناولت أيضا العلاقة بين "قيمة" الصادرات النفطية وبين "قيمة" الصادرات غير النفطية، حيث إن رفع "نسبة" الصادرات غير النفطية إلى 50 في المائة بحلول عام 2030 لا يعني انخفاض "قيمة" الصادرات النفطية عما هي عليه الآن، ولا يعني ذلك أيضا أن سقف الصادرات النفطية سيبقى ثابتا ولا يصاحبه نمو كما هو الحال في الصادرات غير النفطية باختلاف نسبة نموهما. عرجت بعد ذلك وسلطت الضوء على موقع الغاز الطبيعي في هذه المعادلة، وأهمية صناعته وفقا للتوجه الرسمي لأن تكون السعودية دولة مصدرة للغاز خلال الأعوام القليلة المقبلة، وما يسبق ذلك من تحفيز لهذه الصناعة والتوسع فيها لاستخراج الكميات التي تحقق هذا الهدف.
الجدير بالتنويه أن كمية "الإنتاج" وهي المؤشر الحقيقي لمدى التوسع في الصناعة النفطية لا تحكمها بالضرورة علاقة طردية مع كمية "الصادرات"، فكفاءة الاستهلاك المحلي تعد عاملا مهما بل رئيسا ومؤثرا في هذه المعادلة. قد تصاحب زيادة كمية الإنتاج من النفط زيادة في كمية الصادرات وهذا يقع غالبا عندما يكون هناك نقص في الإمدادات النفطية العالمية لأسباب طبيعية أو اقتصادية أو سياسية، فتقوم الدول التي تملك قدرة إنتاجية احتياطية بتعويض هذا النقص لاستقرار أسواق النفط، لكن السؤال الذي أرى أهمية طرحه والإجابة عنه : "هل خفض الإنتاج النفطي لأي سبب كان، يعني في المقابل انخفاض الصادرات النفطية؟". السعودية أنتجت تقريبا متوسط 10.3 مليون برميل يوميا في عام 2018، وبلغ متوسط الصادرات النفطية في العام ذاته 7.1 مليون برميل يوميا، كأكبر مصدر للنفط في العالم. هذا يعني أن نحو 3.2 مليون برميل يوميا من النفط استهلكت داخليا في عام 2018 لأغراض مختلفة كتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر وقطاع التكرير وغيرها. لو افترضنا - على سبيل المثال - أن السعودية خفضت إنتاجها بمقدار مليون برميل يوميا في عام 2019، وقابل ذلك رفع كفاءة الاستهلاك المحلي بترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، وكذلك ارتفاع وتيرة إحلال الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة بأنواعها المختلفة لتوليد الطاقة الكهربائية بدلا عن النفط الخام، ما ينتج من كل ما سبق توفير في كمية الاستهلاك المحلي للنفط الخام بواقع مليون برميل يوميا.
عليه نجد هنا أن انخفاض الإنتاج النفطي في هذه الحالة لا يعني بالضرورة خفض الصادرات النفطية. ختاما لهذه السلسلة من المقالات، أتمنى أن تكون الصورة قد أصبحت أكثر وضوحا للبعض حول ماهية التحرر من النفط وارتباط ذلك بصناعته، وحول العلاقة بين الصادرات النفطية والإنتاج والعوامل المؤثرة فيها، وأهمية رفع كفاءة الاستهلاك وانعكاسه الإيجابي على اقتصاد وطننا الغالي.

إنشرها