أعقاب السجائر .. مشكلات وحلول

|


في خضم المساعي المحمومة لحظر الأواني البلاستيكية وحاويات الطعام والشراب والماصات البلاستيكية والأكياس البلاستيكية، التي تستخدم لمرة واحدة، تم تجاهل المكون الأول للنفايات في العالم، المتمثل في أعقاب السجائر، ربما لأنها صغيرة الحجم. عادة ما يقوم المدخنون بالتخلص من سيجارتين من بين كل ثلاث سجائر بإلقائهما على الأرض بدلا من التخلص منهما بشكل صحيح، وهذا يضيف ما يصل إلى 4.5 تريليون من أعقاب السجائر كل عام، تترك لتتراكم في الحدائق والمدن والمحيطات. وتشير البحوث الجديدة إلى أن هذه الأعقاب لا تتسبب في إيجاد مناظر قبيحة فحسب، بل إنها تؤثر سلبا في النباتات.
وقارنت دراسة منشورة في مجال علوم السموم البيئية والسلامة البيئية بين مجموعة من النباتات المزروعة في تربة تحتوي على أعقاب السجائر وبين مجموعة أخرى من النباتات المزروعة في بيئة مختبرية، ووجدت فرقا كبيرا، حيث كانت براعم النباتات المزروعة في تربة تحتوي على أعقاب السجائر أقصر بنسبة تصل إلى 25 في المائة، بينما كانت الكتلة الحيوية الجذرية لها أصغر بنسبة تصل إلى 60 في المائة. كما وجدت دراسات مماثلة أجريت قبل مدة طويلة في عام 1913 أن دخان السجائر له آثار سلبية مماثلة في النباتات، لكنها لم تركز على تأثير أعقاب السجائر في التربة سوى قليلا.
السجائر في الواقع قابلة للتحلل الحيوي، لكنها قد تستغرق سنوات حتى تتحلل، وفي هذه الأثناء تكون أعقاب السجائر التي تم التخلص منها مليئة بمواد كيميائية يعرف الجميع أنها تكون في هذه المرحلة سامة ومسرطنة.
منذ الثمانينيات من القرن الماضي توصلت جهود التنظيف الحضرية والساحلية إلى أن أعقاب السجائر عادة ما تشكل ما بين 30 إلى 40 في المائة من القمامة التي يتم جمعها. ومن الواضح أن أعقاب السجائر تشكل مشكلة كبيرة جدا من حيث التلوث والنفايات، فلماذا لا يغضب الناس منها كغضبهم من البلاستيك؟
يرى بعض المدافعين عن البيئة أن أعقاب السجائر وما تحويه من مرشحات يجب حظرها تماما، نظرا لأن فوائدها الصحية للمدخنين ضئيلة للغاية، بينما يرى آخرون أنه يمكن إنشاء نظام للإيداع والاستعادة، بحيث يتم إجبار المدخنين على إعادة أعقاب السجائر المستهلكة من أجل استعادة وديعة يدفعونها عند الشراء، وقد يبدو هذا المقترح غير عملي إلى حد ما، لكن بعد تطبيقه في إطار الحظر على الأكياس البلاستيكية نجحت بعض الدول في تفعيله.
وتمثل أعقاب السجائر ما يقدر بنحو 1.69 مليار رطل من القمامة كل عام، إضافة إلى أن كمية كبيرة منها لا تجد طريقها إلى حاويات القمامة المناسبة مطلقا، لكن يبتلعها كثير من الكائنات البحرية والحيوانات والطيور البرية والحيوانات الأليفة، أو تترك ببساطة في مختلف الشوارع كقمامة. ولعل تجربة السيدة سالي داولي جديرة بالذكر حول هذه المشكلة، فقد سئمت من رؤية مدينتها أوبورن في ولاية كاليفورنيا تشوهها القمامة السامة، حيث قررت سالي أن تجعل هدفها هو التقاط كل عقب سيجارة تواجهه، واستمرت في إحصاء ما تقوم بجمعه، وبعد ثلاث سنوات ونصف وبشكل لا يصدق جمعت سالي داولي أكثر من مليون عقب سيجارة تم التخلص منه من دون تفكير.
ألهمت قصة سالي داولي أيضا عددا لا يحصى من المتحمسين للانضمام إلى الجهود المبذولة لإخلاء الشوارع من أعقاب السجائر، وفي مدينة أوبورن تم تثبيت حاويات سجائر خارج الحانات وفي مختلف أنحاء المدينة، ويعد السكان المحليون سالي داولي بطلة محلية، وعندما اقتربت سالي من جمع مليون عقب سيجارة خرج عدد كبير من السكان لتحيتها، وأطلقوا عليها لقب "سيدة أعقاب السجائر".
تستغرق السجائر في المتوسط 12 عاما لتتحلل، وهذه مشكلة كبيرة لأنها المكون الأول للنفايات على وجه الأرض، حيث يتم التخلص من نحو 4.5 تريليون سيجارة كل عام دون أي اعتبار يذكر للبيئة.
تمتلك الشركة الهولندية الجديدة الناشئة "كراوديدسيتيز" خطة مبتكرة لتخليص الشوارع من هذا النوع من التلوث، وتتضمن هذه الخطة تدريب الغربان على مقايضة أعقاب السجائر بالطعام؛
ومن الحقائق الراسخة كون الغربان واحدة من أذكى الكائنات غير البشرية في العالم، حيث لا يقتصر الأمر على مهارتها في حل المشكلات، بل إنها تستطيع أيضا تصنيع الأدوات واستخدامها، تقوم الشركة المذكورة بتطوير جهاز لتدريب الغربان على جمع وتسليم السجائر الملقاة في الشوارع، وفي المقابل تعطى الفول السوداني. ويعتمد الجهاز على تصميم وضعه مخترع أمريكي، وهو يحتوي على قمع كبير حيث يمكن إيداع أعقاب السجائر، وموزع يخرج منه الفول السوداني، وتأمل الشركة في أن تحول الغربان إلى عمال يقومون بتنظيف الشوارع في مقابل الحصول على طعام سهل، والمهمة ليست مستحيلة، لأن الشركة تمتلك خطة لتدريب الغربان، وإذا أثبتت هذه الطريقة نجاحها ولم تتأثر الطيور سلبا بأعقاب السجائر، فقد نرى هذه الأجهزة المبتكرة الحديثة في مدننا في المستقبل القريب.

إنشرها