من تأسيس بيوت الثقافة .. إلى توثيق التراث الصناعي

|


لا أحد ينكر أن المملكة تشهد حراكا ثقافيا نشطا ومتنوعا تقوده وزارة الثقافة ووزيرها الشاب المثقف الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، فقد بدأت الوزارة حراكها الثقافي في المدن التاريخية، وقامت بترميم وتجميل كثير من المباني التاريخية في عدد غير قليل من المباني التراثية، ونفذت الوزارة كثيرا من مشاريع إعادة الحياة والوهج والنضارة إلى عدد لا يحصى من البيوت التاريخية التي تعد من أهم صروح العمران في كثير من المدن السعودية.
سبق أن نالت هذه المباني تقدير وإعجاب منظمة اليونيسكو العالمية، فبادرت المنظمة العالمية إلى وضعها ضمن قائمة تراث العمران العالمي. والمملكة - ولله الحمد - لديها مجموعة من المدن التاريخية المسجلة في قوائم التراث العالمي، مثل مدائن صالح، والدرعية، والأحساء، وجدة التاريخية.
بمعنى أن المملكة - كما أكد على ذلك مرارا الأمير سلطان بن سلمان - ليست طارئة على التاريخ، إنما هي صانعة للتاريخ والحضارات في هذه المنطقة الغالية علينا جميعا.
فمنذ وقت قريب أعلنت الوزارة مشروع البيوت الثقافية، وهو مشروع يرمي إلى دمج الأندية الأدبية وجمعيات الفنون في مشروع جديد يحمل اسم "البيوت الثقافية"، لأن مصطلحي الأندية الأدبية وجمعيات الفنون لم يعودا مناسبين للأدوار الطموحة التي تنشدها الوزارة ضمن مشاريع "رؤية السعودية 2030"، وأهم أهداف البيوت الثقافية؛ فتح المجال أمام الشباب كي ينخرطوا في مشاريع الإبداع الثقافي - جنبا إلى جنب مع المبدعين الكبار - بعد أن ظلت الأندية الأدبية وقفا على الأكاديميين طوال ما يزيد على 50 عاما، كذلك فإن البيوت الثقافية ستعبر عن روح العصر وتنفتح على الآخر، وتحتضن التنمية الثقافية بكل فروعها، وأشكالها، وأنشطتها، مثل الفنون الموسيقية، والفن التشكيلي، والتصوير، والنحت، والخط العربي، كما تحتفي البيوت الثقافية بإقامة المعارض وإحياء الحفلات الفنية بكل أشكالها وألوانها، إضافة إلى وظيفة النشر التي سبق أن اضطلعت بها الوزارة وأنشأت دارا لنشر الكتب، وفتحت مجالا واسعا أمام المفكرين والشعراء لطبع ونشر إنتاجهم من شعر ونثر، وبذلك أزالت عقبة كان يشكو منها المفكرون والشعراء السعوديون.
ويحدونا الأمل أن تتجه الوزارة إلى وضع أسس بناء قواعد أكاديمية للقوة الناعمة، فتبادر إلى الإعلان عن بناء المتاحف الإسلامية، وفتح أكاديميات تعليم فنون المسرح، والسينما، وتخريج طلاب الإخراج، والتمثيل، والإنتاج، وتأليف الروايات، ووضع السيناريو، وتخريج المؤهلين في الفن التشكيلي بأنواعه.
أما آخر المشاريع التي طرحتها وزارة الثقافة في المشهد السعودي؛ مشروع توثيق التراث الصناعي في المملكة وتخصيص جوائز تصل إلى نحو مليون ريال لتوثيق التراث الصناعي، بمشاركة مفتوحة أمام جميع السعوديين والمقيمين.
وحددت الوزارة خمسة قطاعات خطوة أولى للتراث الصناعي، وهي: النفط والغاز، ومناجم التعدين، والصناعات الثقيلة، وصناعة تحلية المياه، والنقل.
وتهدف المسابقة إلى اكتشاف أهم المعالم المعبرة عن هذا التراث في جميع مدن ومحافظات المملكة، وفتحت الوزارة أبواب المشاركة فيها أخيرا لفترة تستمر ثلاثة أشهر، ويتطلب الاشتراك إرسال صور أو مقاطع فيديو ومعلومات عن أي موقع في المملكة يرى المتسابق أنه يحقق شروط التراث الصناعي، ويرسله إلى الموقع الرسمي للمسابقة، وستخضع جميع المشاركات فيما بعد لتقييم لجان تحكيم فنية متخصصة، على أن يتم إعلان أسماء الفائزين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2019. وتتركز معايير الفوز على الجهد الذي يبذله المتسابق في اكتشاف الموقع الصناعي وأهمية المعلومات المعبرة عن الموقع الصناعي.
وتهدف المسابقة إلى توعية المجتمع بأهمية اكتشاف التراث الصناعي في ربوع المملكة والمحافظة عليه، فضلا عن تعليم المجتمع أهمية وضع المملكة على خريطة التراث الصناعي العالمي، وتأهيل المهتمين به، وتعزيز الهوية الوطنية من خلاله.
واهتماما من وزارة الثقافة بمشروع توثيق التراث الصناعي، قدمت الوزارة بعض النماذج من التراث الصناعي، وذكرت - على سبيل المثال - بئر الخير "بئر رقم 7" التي انفجر منها البترول في الثالث من آذار (مارس) 1938، وظل الإنتاج من هذه البئر الخيرة يتزايد حتى بلغ أربعة آلاف برميل يوميا، واستمرت تنتج النفط لمدة 44 عاما ثم أغلقت في عام 1982. كذلك ذكرت الوزارة المواطنين والمقيمين بخط التابلاين الذي شكل إنشاؤه عصرا اقتصاديا جديدا للاقتصاد الوطني، وتطورا لافتا لسكان المملكة، خاصة سكان مناطق شرق وشمال المملكة.
كذلك، فإن المعدات البسيطة التي استخدمها المقاولون السعوديون في عمارة مدنهم التاريخية نالت إعجاب المنظمات الدولية، فضمت العمران إلى قائمة التراث العالمي. هذه المعدات التي صنعها الوطنيون وكانت بمنزلة تكنولوجيا البناء في ذلك التاريخ، جديرة بأن تنضم إلى توثيق التراث الصناعي الوطني.
ولا شك أن مشاريع وزارة الثقافة، سواء مشاريع البيوت الثقافية، أو توثيق التراث الصناعي، تعد من المشاريع المحركة للسياحة، والجاذبة للسياح، والمحققة لـ"رؤية السعودية 2030" الهادفة إلى جعل السياحة موردا من أهم موارد المملكة.

إنشرها