ثقافة وفنون

العبودية .. دراما الحضارة الإنسانية

العبودية ليست ظاهرة تاريخية فقط، إنما ظاهرة إنسانية ملازمة للحياة، فالحديث عن العبودية بالمعنى القانوني اليوم يسقط من الأذهان جوهر الرق؛ وهو ما يمارسه السادة على العبيد من تسلط وتحكم واستغلال، ويغيب عن الأذهان مظاهر التسلط والتحكم التي لا تزال تملأ العالم.
يفرض فهم هذه المظاهر والصور التنقيب في أسس السلطة في العالم، التي تضرب بجذورها عميقا في هذه التربة، إذ الآليات التي تحكمت في ظهور هذه السلطة، في المجتمعات العربية اليوم، غير قابلة عمليا للفهم نتيجة حجبها من طرف أوهام الحداثة التي تصدر عن مؤسسات قادمة من أمكنة أخرى، لذا فإن العودة إلى مثل هذه الجذور لا محيد عنها بغية إزالة هذه الحواجز.
فليس هناك من مأساة يمكن تصورها أعظم من أن نقوم، ونحن نحاول جاهدين وبكل وعي وإدراك صياغة مستقبلنا بما ينسجم والمثل العليا، بإنتاج العكس تماما مما كنا نسعى إليه في واقع الأمر، حسب تعبير الكاتب فريديك هايك في كتابه "الطريق إلى العبودية".
هذا ما استوعبه جيدا الباحث الأنثروبولوجي المغربي محمد الناجي، حينما عمد إلى بحث ومقاربة قضية السلطة في العالم العربي من زاوية الاسترقاق، بالنظر إلى سيادة نوع من الاحتشام حال دون الفحص الصريح للآليات السلطوية الكفيلة بتحطيم الحواجز بين مختلف مستويات السلطة من أجل فهم ما يجري في العالم العربي الإسلامي على امتداد قرون من الزمن. وذلك في كتابه "العبد والرعية" الذي صدر في الأصل باللغة الفرنسية الذي يسير فيه منحى ميشال فوكو بالبحث في التاريخ غير الرسمي، متوسلا المناهج الحديثة في دراسة المخطوطات والكتب المؤرشفة والتنقيب في الأرابيد، مشرحا اللاوعي الثقافي كاشفا آليات اشتغال السلطة فيه.
استعاد الباحث التاريخ استعادة نقدية، غالبا ما يرفضها عديد من المؤرخين، اعتمادا على أن ما قبل الإسلام لا يعد جديرا بالبحث لأنه من عصر الجاهلية الأولى، وعهد النبوة والخلافة الراشدة لا يخضع للمساءلة لأنه "حقبة مقدسة"، وما بعد ذلك يعد روايات وقصصا لا قيمة لها، ولا تمثل إلا انحرافا عن خط الرسالة الأول.
قام في هذه الاستعادة النقدية بتفكيك ثوابت مؤسسة العبودية من خلال بحث مسألة الحرية في الإسلام من زاوية ما يقابلها أي العبودية، طارحا أسئلة حول أسس ومقومات ظاهرة الرق، وما بواعث العتق في الديانة الإسلامية؟ وكيف تطرح مسألة الحرية أمام تزايد مظاهر العبودية؟ وهل يصبح المرء حرا بالفعل إثر العملية الشكلية للعتق في مجتمع يقوم في جانب كبير منه على التراتبية الاجتماعية والطبقية؟
تكشف الفصول السبعة للكتاب التفرد في الرؤية المعتمدة لمقاربة الموضوع، إذ نادرا ما طرحت قضية السلطة في العالم العربي من زاوية الاسترقاق، وبدرجة أقل من زاوية العبودية. فهذه العلاقة الاجتماعية، لم تنل اهتماما في العالم العربي والإسلامي، بسبب المصادرات والمواقف المسبقة التي كان لها بالغ الأثر في الحيلولة دون أي مساءلة لطبيعة السلطة في المجتمعات العربية الإسلامية، وسد الطريق أمام أي محاولة بحثية تبتغي ذلك.
لا يقدم كاتب "العبد والرعية" تاريخا وصفيا خالصا لظاهرة الاسترقاق، ولا دراسة أنثروبولوجية خالصة لبنية الاستعباد والتسلط، إنما هو مزيج متكامل من التاريخ والوصف والتأمل والتحليل والتركيب، لظاهرة تعد أحد المكونات الأساسية للتنظيم الاجتماعي في المجتمع العربي الإسلامي.
إذ قادت هذه الحفريات محمد الناجي إلى الوقوف عند حقيقة هذه الظاهرة، التي امتد معجمها بقوة ليعم كل مناحي الحياة، بلغ مستوى استعانة مؤسسة مثل الزواج بهذا المعجم، فنجد مثلا مقولة "النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته".
لم يكن التحرير، بحسب زاوية نظر الباحث، يعني توسيع دائرة الحرية بقدر ما كان تكريسا لمجموعة تدافع عن حرية ذويها. وهكذا تحولت العبودية إلى منفذ ومخرج يوفر سلسلة واسعة من الوظائف، وقناة لإعادة إدماج المنبوذين سواء أكانوا مجرد خدم أو أشخاصا يكدون بأيديهم أو أفرادا متميزين يختنقون داخل الجماعة، فإنهم يجدون في العبودية موقعهم؛ فالباحث يتحدث عن سبعة أصناف هم: عبيد العصمة، عبيد الصفوة، عبيد البشارة، عبيد الكرامة، عبيد المغفرة، عبيد الخدمة، وأخيرا عبيد القربة.
وحتى من استطاع الخروج من الاسترقاق بحسب الأوضاع الجديدة، فإن "ذاكرة العبودية العنيدة" بحسب توصيف الكاتب تلاحقه طيلة حياته، وتمتد إلى ذريته من بعده، من خلال الطبقات الاجتماعية التي يصنف فيها بعد الخروج من إطار العبودية؛ أي بعد العتق، التي تكشف عن العلاقة المباشرة وغير المباشرة، القريبة أو البعيدة إزاء العبودية "اللقيط، المقيط، السقيط، النقيط، الملط، السعافكة، العبنقس، الفلنقس، المحيوس، المكركس، والمسبع"، ما يكشف حجم الذاكرة الاسترقاقية.
عرف يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان العبودية قائلا "إنها دراما الحضارة التي يسميها البعض مسيحية"، دون أن ينسبها إلى الكنيسة الكاثوليكية. بناء عليه يحق لنا أن نتساءل بدورنا، هل يجوز لنا أن ننسب هذا التاريخ الأسود من الاسترقاق والاستعباد إلى سلبيات "الحضارة الإسلامية" لا إلى "الإسلام". خصوصا أن حقل ميكروفزياء السلطة الذي يعمل الناجي على إقامته، بتحليلاته المجهرية من خلال تفكيك الطقوس السلطوية يكشف كثيرا من المؤشرات التي تدل على ذلك.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون