ليبرا: عملة رقمية

|


قد نكون أمام نقطة انعطاف في تحول مهم في تطور العملات الرقمية خارج الإطار الحكومي، بدأت من مبادرين وشركات صغيرة، وبالتالي بشكوك وعدم ثقة عبر عنها التذبذب والغش وغياب المرجعية، خاصة أن أهم عنصر لأي عملة هو مدى الطمأنينة في دورها باعتبارها مخزنا للقيمة وسهولة توظيفها للتداول. التطور الجديد أن شركة بحجم "فيسبوك" يمكن أن تحدث تغيرا نوعيا في توظيف العملات الرقمية من خلال عملتها المقترحة: ليبرا. ظهرت "فيسبوك" "بورقة بيضاء" تعرف بمشروعها لتأسيس عملة رقمية وبنية تحتية مالية عن طريق تقنية Block Chain - سلسلة السجلات المشفرة. حدث جدل واسع إثر إعلان "فيسبوك" بسبب ما وصلت إليه سمعة الشركة بشأن التعدي على الخصوصية. يبدو أن الشركة تستهدف على الأقل في البداية الدول النامية لعدة أسباب، منها التذبذب الحاد في عملاتها، وبالتالي قلة الموثوقية بها، مثل تركيا والأرجنتين، وكذلك أهمية التحويلات المالية، والخدمات المالية غير الفاعلة "عدم توازن في الحصول عليها وارتفاع تكاليفها". مثلا، بلغت التحويلات في أمريكا 689 مليار دولار في 2018، منها 529 مليارا إلى دول فقيرة ومتوسطة الدخل، والرسوم على هذه التحويلات بلغت 25 مليارا، أي 3.5 في المائة، لذلك هناك فرصة مالية، لكنها أيضا تمتد إلى التوفير والإقراض والاستثمار.
لدى "فيسبوك" 2.4 مليار مشترك و1.5 مليار مشترك في خدمة "الواتساب" - مثلا في الهند 240 مليونا و190 في أمريكا و120 في البرازيل و120 في إندونيسيا و79 في المكسيك و65 في الفلبين و55 في فيتنام و45 في تايلاند و37 في تركيا و37 في بريطانيا. دخول "فيسبوك" بما لديها من قوة مالية وبرمجية وسعة انتشار مهم، لكن ليست أول أو آخر شركة، فالشركات الصينية سبقت الأمريكية في القاعدة الرقمية للدفع والتداول، فخدمة Alipay - من "علي بابا" - حققت نجاحا كبيرا في الصين بصفتها وسيلة دفع ومحفظة إلكترونية. لن تختفي التحديات العامة بقدوم شركة واحدة، ولن تكون الأخيرة، بل إن "أمازون" كانت المتوقعة الأقرب لهذه الخطوة.
أبرز التحديات في المزاحمة مع النظام السائد الآن، خاصة في الدور السيادي للحكومات في السيطرة على النقد والنظام المالي ممثلا في البنوك المركزية والصناعة المالية، لكن هناك أيضا محاذير ومخاطر في غسل الأموال والجريمة المنظمة وغير المنظمة. كما أن الانقسامات العالمية لن تختفي، فمثلا "فيسبوك" ممنوعة في الصين، وربما في الهند لاحقا، فالأسواق الكبيرة المؤثرة لن تسمح لشركة أمريكية الاستيلاء على حصة الأسد في الدور أو المصلحة، خاصة مع ما نشهد من حرب تجارية. المخاطرة المعتبرة اقتصاديا أن تفقد البنوك المركزية السلطة النقدية تدريجيا حين تتحكم في كمية النقود شركة خاصة، لذلك التبعات من هذا التطور جديرة بالمتابعة. بدا واضحا من لجنة استماع الكونجرس مع رئيس البنك الفيدرالي أن هناك نقاشا مع "فيسبوك"، حيث ذكر المخاطر والعمل مع الشركة، وأن آفاق توظيف العملة الرقمية لا يزال في المراحل الأولى. ثم تحدث وزير الخزانة بشكل أكثر مباشرة عن مركزية الدولار وسيطرة الحكومة على أي نظام مدفوعات أو عملة رقمية.
لعل السؤال لدولة بحجم المملكة، أن تتكيف، خاصة من خلال المنظمات مثل "فاتف" والاجتماعات الدولية، مثل مجموعة العشرين وبنك التسويات الدولي وغيرها، وبالتالي أتمنى من مؤسسة النقد وربما هيئة الاتصالات والشركات الوطنية ذات العلاقة تحت مظلة تطوير القطاع المالي ، أن تظهر "بورقة بيضاء" سعودية توضح التأثير في المملكة وترسم سياسة تستطيع بها تعظيم المصلحة الوطنية من ناحية وتمكين انخراط الأنظمة التقنية معرفيا واقتصاديا للإعداد للمستقبل. الأمل أن تكون الورقة من إعداد سعوديين يعرفون واقع المملكة وحيثياتها الاقتصادية والمالية والتقنية والرقابية، فهناك حاجة إلى تطوير المحتوى الوطني.

إنشرها