عبث إيراني مع بؤس سياسة أوروبا

|


"سنواصل حتما الحد من تعهداتنا في البرنامج النووي"

علي خامنئي، مرشد جمهورية إيران

تعرضت الحكومة البريطانية في أعقاب احتجاز إيران ناقلة ترفع علم المملكة المتحدة في الخليج العربي، إلى انتقادات لاذعة من جانب عدد من السياسيين المعارضين، ومن بعض المراقبين المحايدين، بسبب تعاملها المتواضع مع هذا العمل العدواني الذي قامت به البحرية الإيرانية. والحق، ظهرت الحكومة مرتبكة بعض الشيء، وظلت صامتة لساعات قبل أن يظهر جيرمي هانت وزير الخارجية، ليصف العملية بأنها خطيرة، وأن بلاده تتعامل مع الأمر من كثب. تصريحات بدت على شاكلة تلك التي تستخدم عادة لتعبئة الوقت، وليس لإعلان موقف أو إجراءات حيال الأمر برمته. حتى إن الولايات المتحدة كانت أسرع من بريطانيا نفسها في التعليق وإبداء موقفها الواضح. والذي لفت أيضا أنظار المتابعين الباحثين عن موقف بريطاني، أن لجنة الطوارئ الحكومية المعروفة اختصارا باسم "كوبرا" اجتمعت حتى من دون حضور رئيسة الوزراء تريزا ماي، التي تسلم مهام منصبها غدا لبوريس جونسون أو جيرمي هانت.
المسألة خطيرة، أعادت إلى الأذهان ما عرف في الثمانينيات بـ "حرب الناقلات"، التي أطلقها النظام الإيراني نفسه، وسعى إلى تعميق التوتر في المنطقة كلها، وعمل على صناعة الانفجار تلو الآخر من أجل تحقيق استراتيجيته بالحفاظ على الفوضى والتوتر قدر المستطاع. لا يوجد مبرر لتلكؤ الحكومة البريطانية حيال اختطاف الناقلة البريطانية، حتى لو كانت البلاد منشغلة باختيار زعيم جديد لحزب المحافظين وبالتالي رئيس للوزراء، بل حتى في ظل الفوضى الهائلة التي نشرتها مسألة انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبي "بريكست". إنه عدوان إيراني صارخ بعد أيام قليلة من استفزاز قوارب عسكرية إيرانية مفخخة للقطع البحرية البريطانية في المياه الدولية، ويأتي أيضا بعد أن أعلن علي خامنئي مرشد الجمهورية الإيرانية، أنه سيمضي قدما في تخصيب مزيد من اليورانيوم، ضاربا تعهداته في الاتفاق النووي المعروف.
خامنئي نفسه، لم يوفر مناسبة إلا وانهال فيها على الدول الغربية ولا سيما الأوروبية بالشتائم والتحقير والإهانة. وتوصيف "وقح" ربما هو الأقل إهانة من بقية التوصيفات، التي وصلت إلى أن نعت المملكة المتحدة بالدولة "الخبيثة". وهذه الدولة نفسها، تحاول "حتى اليوم" إنقاذ النظام الإيراني من نفسه، إلى جانب "طبعا" بقية الدول الأوروبية، التي لا تزال تنتهج سياسة بائسة مع هذا النظام، على مبدأ ساذج هو احتواؤه! لا يريد الأوروبيون أن يتقدموا خطوة إلى الأمام في هذا الشأن، فهم كبلوا أنفسهم بتلك السياسة التي تثبت كل يوم مدى بلاهتها، على أمل إيجاد توازن في مواجهة الموقف الأمريكي الواضح والصريح حيال النظام الحاكم في طهران. لم يحققوا شيئا مع خامنئي، ولم يغيروا شيئا لدى دونالد ترمب.
لنترك اجتماعات لجنة الطوارئ "كوبرا" في لندن جانبا، رغم أنها أعلنت أنها تدرس خيارات عدة ضد إيران. كل ما أقدمت عليه بريطانيا "حتى الآن" شكوى ضد طهران لمجلس الأمن الدولي، مع لغة سياسية صارت منذ عقود مملة. جيرمي هانت كان قد أعلن قبل أيام، أن أمام إيران سنة لإنتاج قنبلة نووية! إنه اعتراف خطير للغاية من دولة توفر كل وسائل الإنقاذ الممكنة لنظام علي خامنئي، ومع ذلك لم تتخذ لندن أي خطوة تأديبية على شاكلة عقوبات أو حتى التهديد بها. الذي يحدث أنها دعمت "على سبيل المثال" الآلية المالية الأوروبية مع هذا النظام للالتفاف حول العقوبات الأمريكية المتصاعدة. الآلية نفسها تتعرض في كل المناسبات للهجوم من جانب إيران، وتعدها بلا جدوى، دون أن تنسى الإهانات المتجددة للأوروبيين بالطبع.
رئيس إيران حسن روحاني قالها أيضا بكل وضوح للأوروبيين وغيرهم "لقد بدلنا استراتيجيتنا عبر الانتقال من الصبر إلى الانتقام". ها هو الانتقام بدأ بناقلة ترفع علم بريطانيا، وسبقه قوارب مفخخة تحوم حول مدمرة بريطانية أيضا، واختطاف ناقلة بريطانية ثانية ترفع علم ليبيريا، تم الإفراج عنها لاحقا! ناهيك طبعا عن إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة، والهجوم على عدد من الناقلات التجارية في الخليج العربي. هذه الأدوات من "الانتقام الإيراني" لم تغير حتى من اللهجة الأوروبية حيال نظام رفض عرض المفاوضات بلا شروط مسبقة قدمته الإدارة الأمريكية نفسها! وهذا العرض كان ينبغي أن يتمسك به الاتحاد الأوروبي. فحتى ترمب المتشدد حيال طهران يعرض الحوار المباشر غير المشروط. ماذا يريد الأوروبيون أكثر من ذلك!
المفوضية الأوروبية ملأت الدنيا بتصريحاتها الداعية إلى التهدئة. الذي يحدث أن النظام الإيراني هو الذي يصعد ويعتدي ويهدد ويهين! ويبدو أن هذه المفوضية لم تمل بعد من هذا الخطاب البائس، ولم تيأس من كل الممارسات الإيرانية الاستفزازية هنا وهناك. وبريطانيا التي تعرضت للعدوان للتو قررت منح نفسها مزيدا من الوقت للتفكير فيما ستصنع مع نظام يتحدى العالم حقا، ويصرخ في وجهها من أعلى مركز للسلطة في طهران على أنها "دولة خبيثة"!

إنشرها