معنى ومتطلبات تقليل الاعتماد على دخل النفط

|


من أهداف الـ"رؤية" تقليل اعتمادنا على دخل النفط على المدى البعيد، لكن ما معنى هذه العبارة؟ طرحت السؤال لأني سمعت من كثيرين كلاما يدل على جهل أو ضعف علم أو فهم أو اتباع هوى في تفسير وشرح معناها، وكيف يصبرون على شيء لم يحيطوا به علما أو يخالف ما تهواه نفوسهم.
معنى العبارة يعتمد على عدة جوانب:
الجانب الأول عن أول وأهم جهة معنية بالعبارة. لا شك أنها المالية العامة لأن دخل النفط يذهب إلى خزانة الدولة. وتعني تلك العبارة تقليل اعتماد الدولة على دخل النفط. وهذا يستلزم أن تتناقص نسبته في الإيرادات العامة على المدى البعيد.
يترتب على ذلك لزوم زيادة نسبة عوائد أو موارد الميزانية من غير النفط. وهذا يستلزم التوسع الفقهي في الأموال التي تجب فيها الزكاة. كما يستلزم زيادة نسبة كل أو معظم أربعة موارد غير نفطية غير الزكاة: الأول الرسوم على خدمات حكومية، والثاني الرسوم و/أو الضرائب على القادمين للبلاد بغرض الزيارة أو العمل، والثالث توسيع القاعدة الضريبية في البلاد مع الوقت. والرابع توسيع وتعميق تدخل وملكية الدولة لأنواع من الاستثمار غير المرتبط باستخراج وتصدير النفط. ومن المهم التأكيد على أن النجاح في زيادة هذه الموارد له متطلبات وشروط. وزبدتها النجاح في نمو الاقتصاد غير النفطي نموا راسخا. والموضوع يتطلب تفاصيل كثيرة لا تناسبها المقالات. وأيا كانت هذه التفاصيل، فمن المهم جدا التدرج في التطبيق.
وللتنويه، مصادر الأموال في الدول الإسلامية في الماضي أربعة: الفيء والخمس والجزية والزكاة. وأغلبها لم يعد متاحا في عصرنا. ومن جهة أخرى، السلع العامة والتزامات الدول زادت وتوسعت كثيرا جدا مع اختراع الآلة البخارية والثورة الصناعية وما تلاها من آثار. ومن يفتون بالضرائب عليهم تصور أمورها جيدا، خاصة المالية العامة، قبل إعطاء أي فتوى. ومن يعكس ويستدل بنصوص على تحريمها مطلقا مثله مثل من يحرم نقل الدم مستدلا جهلا بقوله تعالى "حرمت عليكم الميتة والدم".
العمل على زيادة موارد المالية العامة من غير النفط يتطلب محاربة الفساد والهدر وترشيد وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي. كما يتطلب خفض الإعانات الحكومية أو ترشيدها.
كما يرتبط به عمليات الخصخصة. هذه العمليات لها محاسنها التي قيل فيها ما يكفي.
والتوجه نحو خصخصة نشاطات، لا يعني ترك توجيه مزيد من عوائد نفط إلى أصول إنتاجية، من صناعات وتقنيات. ولكن كيف يكون هذا التوجيه، حيث لا ينافس القطاع الخاص؟ موضوع مثير يستحق نقاشا عميقا.
تقليل الاعتماد على دخل النفط له مقابل وثمن. ندعوه سبحانه أن يكلل جهود تطوير الاقتصاد بالنجاح. لكن علينا أن نتذكر دوما أنه لا نجاح دون ثمن ومخاطر وتضحيات. تعود الناس وتعودت أجهزة الدولة وتعود القطاع الخاص على أنماط سادت عشرات السنين، وليس من السهل تغييرها في سنوات قليلة. الحصول على قناعات من الناس يتطلب تحقيق نجاحات من البدايات. وهذا أمر ليس سهلا.
وهنا تعليقات سريعة على ثلاث نقاط متعلقة:
الأول: تقليل الاعتماد على دخل النفط يتضمن تقليل الفوارق بين أسعار النفط للاستهلاك المحلي والأسعار في الخارج. والموضوع مرتبط بترشيد الدعم، وترشيد الاستهلاك المحلي من النفط.
الثاني: تقليل الاعتماد على النفط ليس بالضرورة عبر تخفيض حجم إنتاجنا ومن ثم دخلنا، ولكن في استخدام نسبة أكبر من عوائد النفط في إنفاق تأثيره أقوى في تنمية الاقتصاد وتعميق تنوعه.
الثالث: مطالبة البعض بخدمة رفيعة راقية مقابل أي رسوم تفرضها الدولة على خدمات بعينها، هذه المطالبة لا تخلو من مغالطة.
إن تحسين الخدمات والارتقاء بها أمر مطلوب وينبغي بذل كل ما يمكن لتحقيقه. لكن لا يصلح ربط فرض رسوم باشتراط توفير خدمة خمسة نجوم، إلا إذا كانت الرسوم مرتفعة توازي تكلفة خدمة خمسة نجوم. ذلك أن الخدمة مهما نزل مستواها لها تكلفة. وللتشبيه وجود خدمة فندقية نجمة ونجمتين لا يعني أن الخدمة دون تكلفة، ولكن بالتأكيد هي أقل من تكلفة فندق أرقى مستوى.

إنشرها