الكل يتألم

|


قرأت مقالة بديعة لـ"إيلينا مولوكتس" تتناول مفهوم تأثير "جوجل" في ذاكرتنا، وكيف استطاع أن يضعف ذاكرتنا بشكل مرعب. أثارت المقالة حجم الكسل الذي تمارسه ذاكرتنا إثر سلوكنا الجديد. نبهتني إلى ضرورة مراجعة عاداتنا، حتى لا نخسر ميزة عظيمة وهبنا الله إياها. لقد أصبحنا لا نبذل أي جهد لتدريب ذاكرتنا.
أمسينا نعتمد على "جوجل" ومرادفاته على نحو عقيم وسلبي للغاية. بات المرء لا يحفظ أي شيء. فلماذا يحفظه ويرهق نفسه بينما بضغطة زر بوسعه أن يسترجعه بسرعة. في الماضي القريب، كنا نحفظ الكثير؛ من أرقام ومعلومات وتفاصيل، الآن صرنا بلا ذاكرة. تخيل يا صديقي أن لديك أقداما سليمة لكنك لا تحركها أبدا، هناك من يدفعك بالكرسي ويوصلك إلى المكان الذي تريده دون مجهود يذكر منك. قد يبدو الأمر مريحا، لكنه خلاف ذلك في الحقيقة، بعد فترة ستجد صعوبة بالغة في المشي، وكلما طالت المدة تعاظم التحدي. هذا ما يحدث لنا تماما عندما لا نعتمد على ذاكرتنا، فإنها تصدأ ولا تصلح للاستخدام، وتصبح رؤوسنا بلا ذاكرة، فذاكرتنا صارت خارجية، نعتمد على "جوجل" و"ويكيبيديا" وغيرهما من المصادر الرقمية. وإذا لم نجد طريقة للوصول إليها فقدنا ذاكرتنا، لقد نقلنا ذاكرتنا إلى أجهزتنا. دار بيني وبين زميل يعمل في عمادة القبول والتسجيل في إحدى الجامعات حوار حول موضوع ضعف ذاكرتنا الحديثة، وكيف أن الطلاب الذين التحقوا بالجامعات قريبا أصبحوا أقل تذكرا وأضعف ذاكرة. عندما يسألهم زميلي عن رقم هويتهم التي يستخدمونها دائما يستنجدون بأجهزتهم التي تحتفظ بالرقم، أو يمدون أيديهم بقلق نحو جيوبهم لإخراج البطاقة وقراءة الرقم. حتى أرقام هواتفهم المتحركة بعضهم لا يحفظها. وقس على ذلك. إن ذاكرتنا تمثل العمود الفقري لشخصياتنا، وتمنحنا الإطار العام لكيفية استثمار تجاربنا، واتخاذ القرارات المناسبة بشأن المستقبل، وبشأن كل شيء. بلا ذاكرة ستتعطل مهاراتنا وأدواتنا، وتتراجع قدراتنا، وتتأثر سلبا حياتنا. لسوء الحظ، تتعرض ذاكرتنا لتحديات جديدة، من خلال تدفق كثير من المعلومات والبيانات أمامها دون اكتراث أو عناء منا للتعامل مع هذه السيولة بحكمة. تأثير "جوجل" جعلنا لا نتدرب على تقنيات الحفظ والتخيل وربط الأشياء بالأشياء، التي تجعلنا نتذكر الآيات والقصائد والأمثال وغيرها. هذا التأثير جعل أي شخص يحفظ ويردد ما يحفظه على مسامعه دون ورقة أو استعانة بشاشة التلقين "أوتو كيو" التي يستخدمها مقدمو الأخبار والمذيعون، أمرا يثير دهشتنا. وعلى الرغم من أن مهارة الحفظ كانت تتوافر لدى معظم الأجيال السابقة، فلا شك أنها كانت تتباين من شخص لآخر، ولكنها لم تكن بهذا السوء أبدا. الأغلبية الآن لا يستخدمون ذاكرتهم. لا يحفظون أبسط الأشياء.
الكل يتألم.

إنشرها