متطلبات الرقابة وأنشطتها

|


يفرح بعض المديرين فرحا مبالغا فيه بأنشطة الرقابة، ويقاومها آخرون أو يتجاهلونها باعتبار أنها شأن خاص يخص بعض الإدارات المختصة بالرقابة، وجميعهم على طرفي نقيض. عندما تقوم المنشآت بتحديث نظم وفرق العمل أو تتأثر بجولة من التصحيح والتحسين الإداري أو تخضع لنشاط متجدد من الجهات التنظيمية فإنها في العادة تكتشف عديدا من الأخطاء التشغيلية ونقاط الضعف والألم. وهذا أمر إيجابي لكنه غير كاف. تجاهل الصيانة الدورية لبيتك أو سيارتك لفترة طويلة، ثم حاول مراجعة الوضع، ستجد بانتظارك قائمة طويلة من الإصلاحات التي كان يمكن تفاديها. يمر عديد من المنشآت اليوم بدورات التغير والتغيير، ومن يعايش في منشأته صحوة الحوكمة يرى كيف أن المراجع الداخلي والخارجي وإدارة المخاطر وحتى الإدارة المالية والموارد البشرية ومجلس الإدارة ولجانه، جميعهم يستمتع بنزوة الرقابة والتصحيح. لكن هل تتجه النتائج نحو التحسن، أم عكس ذلك؟
هناك عدة اعتبارات تجعل هذه الخطوات الإيجابية المرتبطة باكتشاف الأخطاء ونقاط الضعف وتصحيحها تنعكس بشكل سلبي على المنشأة، خصوصا على المدى الطويل، سأعرج على بعضها لافتا النظر إلى كيفية تفاديها أو التقليل من أثرها. أولا، تحدث أعمال الرقابة والتصحيح كردة فعل، إذ تأتي متأخرة وليست استباقية، وهي كذلك غير متوازنة إذ تركز على مواضع الألم. هذا يجعل كثيرا من مواطن الضعف غير مكتشفة، تماما مثل الأمراض الصامتة والخبيثة، ويجعل التصحيح يحدث بشكل مختل، إذ يكون على الورق فقط أو بصنع عقبة جديدة تبطئ من سير العمل. من أمثلة ذلك، تصحيح مشكلة توقيع مستند بإضافة توقيع ثان أو ثالث على المستند نفسه، أو علاج خطأ موظف بفصله وتجاهل تدريب الموظفين وتحسين أدائهم. مثال آخر على غياب التوازن: إصلاح دورة المدفوعات بسبب اكتشاف واقعة تجاوز، من دون تقييم دورة المشتريات التي تكون شرطا لجودة الأولى. لهذا تتسبب أعمال التصحيح التي تأتي متأخرة وتكون مختلة التوازن في مشكلات ترتبط بعدم اكتمال الحلول وضعف فاعليتها.
المسألة الثانية، أن الرقابة في حد ذاتها لا تكفي لتفادي المشكلات. بيئة الرقابة الجيدة تعالج جانبا واحدا من العمل التطويري والتحسيني، فهي تعمل مجتمعة كفلسفة وممارسة لأعمال الالتزام والانضباط والتأكد من التنفيذ الجيد ومتابعة مقاييس الأداء واكتشاف الانحرافات ومواطن التحسين. ولكنها ليست أسلوبا للتخطيط أو التنفيذ وليست مدخلا لرسم الاستراتيجية أو متابعتها. لهذا ينبغي على القائمين على المنشأة أن لا يحملوا الرقابة فوق طاقتها، ولا يعتقدوا أن مجرد وجود فريق للمراجعة الداخلية سيجعل الشركة تقوم بعملها بشكل ممتاز.
ينبغي ألا يركن المديرون إلى وجود نظام رقابة فعال، ولا يبتهجوا مطمئنين لأن هناك من يزعج الآخرين بتصحيح الإجراءات وإغلاق النقاط المعلقة والمفتوحة. نظام الرقابة الفعال يأتي مكملا لنظم أخرى تنظر للتخطيط والتقييس والتنفيذ والجودة. على سبيل المثال، محاولة معالجة اختراق البيانات دون النظر إلى مبادئ الأمن السيبراني تخطيطا وتنفيذا سيجعل المنشأة تخرج بحلول مؤقتة وناقصة، وتجعلها أكثر عرضة للاختراقات في المستقبل، لأن المخترقين يطورون إمكاناتهم، وهنا تكون الشركة قد جمدت إمكاناتها. وبالطريقة نفسها، نجد أن الشركة التي تعاقب البائع المقصر بتخفيض حوافزه دون النظر إلى كفاءة تسلسل العملية البيعية أو التعرف على السوق بشكل أفضل أو بناء قدرات البائعين، سيجعل الرقابة على البائعين تخرج بتدمير الفريق وتضييع النتائج.
لا تقتصر الرقابة على الخروج لنا بقائمة حساسة للمهام أو نقاط خطيرة تتطلب متابعتها، وهذا يعكس الجانب الثالث والمهم جدا. تمثل الرقابة أحد أدوار وتطبيقات الإدارة، وهي مكملة لغيرها وتعكس روح الإدارة وأسلوبها. حصرها بأي شكل من الأشكال، يحصر قوة الإدارة وفاعليتها، سواء باعتبارها مسألة تخص فرق محدودة أو مختصة بأوقات معينة، أو باعتبارها مجرد معالجة لمتطلبات الحوكمة أو الأنظمة. بيئة الرقابة الإيجابية تتطلب مشاركة الجميع، محاسبين وبائعين، ومسؤولي المخزون، ورجال الأمن، وعاقدي الصفقات في القسم التجاري؛ لا أحد من هؤلاء معفي من الخطأ وجميع أعمالهم تحتمل الهدر، وكلها تتحسن بالجودة وينبغي أن تكون مخططة ومنفذة بشكل مرض.
لا يصح القول إن هناك قسما حساسا وآخر عاديا، أو إدارة مهمة وأخرى أقل أهمية. جميع الموظفين أفرادا ووحدات يشكلون عصب أداء المنشأة، وفهم متطلبات الرقابة وقيمتها والخروج بثمرتها يتطلب مشاركتهم جميعا. احترام الرقابة كوسيلة بناءة وإيجابية يعني استخدامها بدورها الحقيقي الكامل، وهذا يتطلب ترويجها وتقديمها وتنفيذها بهذا الشكل. تجاهل ذلك، سيجعلها وسيلة ضغط أو أداة تهديد أو مسكنا مؤقتا تهدم بعده المكتسبات وتدمر معه الوحدة الروحية والتنفيذية للمنشأة.

إنشرها