ثقافة وفنون

الحضارة الإنسانية .. انقراض التفاهم العمومي

وفاء لمنهجه الأصيل في الأدب والفكر على حد سواء، القائم على استنطاق التاريخ، أصدر أمين معلوف الكاتب والروائي اللبناني الحامل للجنسية الفرنسية قبل أشهر كتابا جديدا بلغة موليير، اختار له عنوانا صاعقا؛ "غرق الحضارات"Le Naufrage Des Civilisations، سيرا على منوال أعمال فكرية سابقة أشهرها "الهويات القاتلة" 1998، و"اختلال العالم" 2009.
يظهر من العنوان أن عضو الأكاديمية الفرنسية يرد، أو بالأحرى يعقب، على أطروحة "صراع الحضارات" التي تصدرت المشهد الدولي بعد تفكك المعسكر الشرقي بداية التسعينيات من القرن الماضي، وإن كانت التسمية من الناحية التاريخية أقدم بكثير؛ فهي تعود بحسب المهدي المنجرة المفكر المغربي الراحل إلى البريطاني برنارد لويس، نافيا بذلك عن نفسه حقوق ملكية المفهوم، بعدما أشار إليه هانتنجتون في مقدمة الفصل العاشر من كتابه.
يرفض مؤلف رائعة "ليون الإفريقي" 1984 فكرة "الحوار" وكذا "الصراع" بالنسبة إلى الحضارات، لأن أصحاب هذا القول ينظرون إلى الحضارة ككيان ثابت وجامد ومغلق، له خصائص محددة تفصله عن بقية الحضارات. بهذا المعنى تكون الحضارة مرادفا موضوعيا للثقافة، بحسب أطروحة هانتنجتون والمدافعين عنها. بينما يرى هو أن الفصل بين الحضارات مسألة صعبة، إن لم تكن مستحيلة؛ فحضارات الشعوب ترتبط فيما بينها ارتباطا عضويا يستعصي على الفصل، فضلا عن الوحدة القائمة بينها من ناحية الأخطار والتهديدات "التسلح، المناخ، البيئة، والصحة..." التي تلقي بظلالها على كوكب الأرض.
يتساءل الكاتب إذن، على مدار أقسام كتابه المشبع بالسرد التاريخي، عن سر الخلل والعطل في التفاهم والتواصل داخل الحضارة الواحدة، أو بين الحضارات في هذا العالم، التي لم تعد بالنسبة إليه في مرحلة الصراع أو سوء التفاهم، ولا في مستوى العداوة التي تعتمد على النفي والإنكار للآخر، إنما بلغت درجة الغرق بلا أي فرصة للنجاة.
يتجاور المعطى الثقافي بالسياسي مع البعد الاقتصادي والاجتماعي بمعية العامل التاريخي والديني في صفحات الكتاب التي بلغت 332 صفحة، فنجد على سبيل المثال مقارنة بين تجربتي جمال عبدالناصر ونيلسون مانديلا، من خلال كشف أخطاء وهفوات الأول التي تجاوزها الثاني، فنجح هذا الأخير فيما فشل فيه الأول؛ فاتحا الباب بسبب تلك الأخطاء أمام الإسلاميين للانتشار والتغلغل في العالم العربي.
يستحضر عند البحث في أسباب نجاح القوى المحافظة تأثير الثورة الإيرانية في بعض شعوب القارة الآسيوية؛ بانتقالها من التوجه القومي إلى التوجه الديني الراديكالي "أفغانستان، الباكستان، الهند...". وكذا تأثير الثورة التاتشرية؛ نسبة إلى مارجريت تاتشر، في بريطانيا الذي قلب معظم المعايير الاقتصادية والسياسة لإدارة البلاد. انتقل هذا الأمر بسرعة، بحسب معلوف، إلى أمريكا في عهد ريجان، وبعد ذلك إلى دول كانت شيوعية أو منغلقة اقتصاديا في آسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها.
كما فتح معلوف أعيننا على الجُب التاريخي المظلم الذي يعيش العالم العربي فيه، منذ خروج المستعمر الأجنبي إلى ما بعد زمن الاستقلال، وصولا إلى زمن الاضطرابات التي اصطلح على تسميتها "الربيع العربي"، ذاك الذي لم يكن ربيعا ولم يتجاوز الشتاء الراديكالي القارس، وها هو عقد يقترب بعد بداية تلك العشرية المخيفة.
باختصار، يتحدث صاحب "الحروب الصليبية" 1983 عن "الردة الكبرى" – إن جازت الترجمة – التي شهدها العالم؛ غربا وشرقا على حد سواء، بدءا من الربع الأخير من القرن الماضي، ما أدى إلى تحولات سريعة وفجائية أحيانا تولدت عنها اضطرابات خطيرة يواجهها العالم راهنا. فحتى القارة الأوروبية التي كانت "تتشدق في السابق أمام مواطنيها بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية" تتعرض - بحسب المؤلف - لبعض الخلل.
أما العالم العربي والإسلامي فقد بلغ درجة انقراض التفاهم العمومي، كما جاء على لسان معلوف في أحد حواراته على هامش إصدار الكتاب "لقد عرفت عالما عربيا مختلفا عن الذي كان يسود فيه النقاش العام مثل بقية العالم، كيف لا يمكننا أن نتصور الأسوأ لمآل المغامرة الإنسانية، عندما يتحول ورثة الحضارات الكبرى وأصحاب الأحلام الكونية إلى قبائل غاضبة وثأرية".
عرض صاحب "الهويات القاتلة" صورة شمولية للأركان الأربعة للعالم، قصد تقريب المشهد إلى أذهان القراء، وتبيان الجذور التأسيسية لفكرة الغرق لديه؛ فأمارات الزيغ السياسي والذبول الاجتماعي بادية على المشهد العام منذ نحو عقد من الزمن، أي عقب الأزمة المالية لسنة 2008، حتى إن كان الرجل يرفض تحويلها إلى مشجب نعلق عليه كل المشكلات، فالأزمة الحقيقية أخلاقية واجتماعية قبل أن تكون أي شيء.
بهذا ينضم أمين معلوف إلى قائمة المفكرين العقلاء أمثال نعوم تشومسكي وإدجار موران وزيجمونت باومان وتزفيتان تودوروف وإدوار سعيد، الذين دقوا ناقوس الخطر بكتب سيخلدها التاريخ حول ما يتهدد البشرية. مؤكدين أننا أمام أزمة أخلاقية واجتماعية وفكرية، قبل أن تكون سياسية واقتصادية، وبالتالي فإن العالم مهدد بدخول منطقة محفوفة بالمخاطر والمجازفات، لا تبقي ولا تذر، من شأنها أن تأتي على الأخضر واليابس.
قد يبدو أمين معلوف في نظر بعض قرائه في غاية التشاؤم، بنبوأته الصادمة هذه حول "غرق الحضارات"، إلا أنه لم يتجاوز نقل الواقع وتحليله بدقة وموضوعية، أملا في أن تدرك الإنسانية أنها على الحافة، فبلوغ الحضارات درجة التلاشي والغرق، يعني أننا أمام منعطف خطير في هذا العالم، يحتم على الكل، وبصيغة جماعية، اجتراح طريقة فاعلة لإدارة الخلاف البشري.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون