القبول في الجامعات .. المعضلة المتكررة

|

في مثل هذا الوقت من كل عام، وبعد خروج نتائج القبول في الجامعات تكثر الاتصالات، والتحركات، والزيارات من قبل أولياء الأمور، بغية تحقيق ما يتطلع إليه المتخرج، أو المتخرجة، وما تتطلع إليه العائلة؛ إما القبول لمن لم يتم قبوله في الجامعة التي يريدها، وإما عدم القبول في أي جامعة؛ ما يستدعي العمل على تأمين قبول في أي مكان، أو بغرض التغيير من مسار لآخر، ولا يلام الناس في ذلك، فالكل يتطلع إلى أن يحقق أبناؤهم المؤهل الذي يضمن لهم حياة كريمة، تبعدهم عن مخاطر الانحراف الفكري والسلوكي الناجم عن الفراغ وفق التجربة البشرية التي عبر عنها الشاعر:

"إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة"

خلال السنوات الماضية توسعت الدولة في افتتاح الجامعات في المناطق والمحافظات كافة، إضافة إلى الجامعات الأهلية. إلا أن النمو السكاني، وكذا بريق الالتحاق بالجامعة، يحدثان مشكلة وإزعاجا لأولياء الأمور والمسؤولين عن الجامعات لما يتعرضون إليه من ضغوط؛ فولي الأمر يسعى إلى تحقيق رغبة ابنه ورغبة العائلة. والمسؤول عن الجامعة يخضع لمحددات الطاقة الاستيعابية، وتوافر الإمكانيات، وشروط القبول، مما يجعل الجميع في حالة إرباك، حتى إن مسؤولي الجامعة ينصرفون عن التخطيط والتطوير والسعي إلى تحسين العملية التعليمية لمعالجة مشكلات القبول التي تتحول إلى أزمة خلال الصيف، وربما تمتد آثارها إلى ما بعد ذلك.
أعتقد أن تصحيحا ووعيا لا بد من تحقيقهما في عملية القبول في الجامعة، والمقتضيات الواجب أخذها في الحسبان. فشروط القبول ممثلة في معدل الثانوية العامة واختبار القدرات والاختبار التحصيلي لا تكفي وحدها للقبول في أي تخصص؛ بل الواجب إدراك هل تم القبول في المكان والتخصص المناسبين، أم أننا سكنّا المتخرجين لإرضائهم، وإرضاء أهليهم، والتخلص من أعباء القبول وإشكالياته، دونما أخذ في الحسبان مناسبة التخصص للفرد، ومدى حاجة سوق العمل إلى هذا التخصص؟
الاعتماد على الدرجة الموزونة المشتقة من اختبار القدرات، والاختبار التحصيلي، ونسبة الثانوية العامة، يشكل إجراء ليس كافيا، فالميول تمثل عنصرا أساسيا في نجاح الطالب أو فشله فيما يتم قبوله فيه، فالقدرة العامة مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم يوجد ميل يدفع المرء ويحفزه، ويجد نفسه راغبا ومنسجما في التخصص الذي قبل به، كما أن الأوزان المعطاة لعناصر النسبة الموزونة تحتاج إلى دراسات مستفيضة لمعرفة أيها أهم في عملية القبول، ذلك لأن بعض نتائج الدراسات التي اطلعت عليها في رسائل الماجستير، بينت أن الارتباط ضعيف جدا بين درجة الطلاب في اختبار القدرات والمعدل التراكمي؛ ما يعني ضرورة مراجعة الأوزان المعطاة لاختبار القبول، ونسبة الثانوية العامة، والاختبار التحصيلي. أي بمعنى آخر، أن القيمة التنبؤية لاختبار القدرات ضعيفة جدا، بينما أثبتت الثانوية العامة والاختبار التحصيلي جودتهما في التنبؤ بالمعدل التراكمي، مما يستدعي مراجعة الوزن، ومحتوى اختبار القدرات ليقيس بشكل دقيق وموضوعي القدرات التي يقيسها سواء كانت عامة أو خاصة.
أعرف من واقع خبرة أن مركز القياس يتحفظ على إجراء دراسات على نتائج اختباراته التي يقدمها، ويرفض إعطاء بعض البيانات للباحثين من طلاب الدراسات العليا وغيرهم، وهذا التحفظ لا مبرر له، ويثير تساؤلات كثيرة بشأن جودة وسلامة الإجراءات المتخذة في بناء وتطوير هذه الاختبارات. التطوير والسعي لإيجاد الأدوات الصادقة لا يتحققان إلا بإخضاع البيانات للتحليل والدراسة والمتابعة من قبل المهتمين والمتخصصين من خارج المركز تجنبا للتحيز، حتى تتم معرفة قيمة وجدوى هذه الاختبارات؛ ليس بصورة عامة فقط، بل بشكل مفصل للتخصصات كافة، ومناطق التخرج في الثانوية العامة والجامعات التي تم الالتحاق بها، إضافة إلى متغيرات أخرى كالسن والجنس وغيرهما.

إنشرها