إدارة الابتكار .. والابتكار المنهجي

|


تهتم المؤسسات بالابتكار، وتسعى إلى تفعيله من أجل تحقيق التميز وكسب التنافس مع المؤسسات الأخرى. وكما أوردنا في مقال سابق، أطلقت "اللجنة الأوروبية للمواصفات المعيارية CEN"، عام 2013، معايير "لإدارة الابتكار" في المؤسسات، وأوصت في هذا المجال باعتماد ما أسمته الابتكار "المنهجي Systematic". وانتشرت هذه المعايير في جميع الدول الأعضاء في هذه اللجنة، وعددها "33 دولة"؛ وفعلت ذلك أيضا دول أخرى. ووصل الأمر إلى "منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO" التي بدأت، عام 2019، في إصدار مثل هذه المعايير على مستوى العالم. وعلى ذلك بات بإمكان جميع المؤسسات، في مختلف أنحاء العالم، تطبيق هذه المعايير والانطلاق نحو التميز.
وكما بينا في مقال سابق، يفعل تطبيق معايير "إدارة الابتكار" في المؤسسات قدرتها على الابتكار، ويعزز مستوى عطائها، لكنه يبقي على المنافسة فيما بينها. وهكذا، تبقى الحالة التنافسية للمؤسسات خاضعة لمستوى "جودة الابتكار وحسن إدارته"، ويتضمن ذلك - بالطبع - تفعيل "إمكانات الإنسان" ورعاية عطائه والاستثمار فيه. وأمام هذه الحقائق، تدفع المؤسسات التي لا تهتم بالابتكار، ولا تدرك حسن إدارته، أو تسعى إلى الارتقاء بجودته، ثمنا باهظا يتمثل في تراجعها أمام المؤسسات الأخرى، وربما عدم قدرتها على الاستمرار. وغاية هذا المقال؛ طرح الأسس التي تستند "إدارة الابتكار" إليها، وبيان مراحل "الابتكار المنهجي"، فقد باتت "ثقافة الابتكار" متطلبا مهما من متطلبات العصر.
ترى "لجنة المواصفات المعيارية الأوروبية CEN"، سابقة الذكر، أن "تفعيل الابتكار" في أي مؤسسة يحتاج منها إلى بناء "نظام لإدارة الابتكار IMS" خاص بها. ويتكون هذا النظام من "وحدات" المؤسسات التي تشترك معا في أداء "أعمالها"؛ وتقوم هذه الوحدات بوضع "أهداف Objectives" الابتكار المطلوب، و"السياسات Policies" التي ترسم طريق الوصول إلى هذه الأهداف، و"الإجراءات Processes" التي ينبغي لها تنفيذها من أجل تحقيقها. وتتمثل فوائد هذا النظام، في جعل المؤسسة التي يرتبط بها، قادرة على تقديم "منتجات وخدمات" أفضل، وعلى تنفيذ أعمالها في إطار "نماذج عمل وإجراءات" ترتقي بالأداء. وكلما تميزت المؤسسة بتحقيق ذلك "بجودة أعلى"، وصلت إلى مكانة تنافسية أكثر تقدما بين ما يماثلها من مؤسسات.
يشمل عمل "نظام إدارة الابتكار MIS" في مؤسسة ما، طبقا للمواصفات الأوروبية، سبع "وظائف" رئيسة، تتضمن: فهم "حالة المؤسسة"؛ ووضع "رؤية استراتيجية للابتكار خاصة بها"؛ والتخطيط "لنجاح الابتكار"؛ والاستفادة من "العوامل الممكنة للابتكار"؛ وتفعيل "عملية الابتكار" أو بالأحرى تنفيذ "الابتكار المنهجي"، وهذه هي الوظيفة الجوهرية للنظام؛ ثم وظيفة تقييم "أداء نظام إدارة الابتكار ذاته"؛ وأخيرا وظيفة السعي إلى تطوير "هذا النظام". وسنلقي فيما يلي بعض الضوء على هذه الوظائف.
إذا بدأنا بوظيفة فهم "حالة المؤسسة"، فإن ذلك يشمل النظر إلى حالتها الداخلية، ونشاطاتها الخارجية، إضافة إلى التعرف على متطلبات الابتكار المرتبطة بمختلف وحدات المؤسسة. ويمكن في العمل على تنفيذ هذه الوظيفة بالشكل المطلوب، تطبيق "النظرة الهيكلية" للمؤسسات والوحدات الاستراتيجية التي طرحناها في مقال سابق، حيث تشمل هذه النظرة استيعاب مختلف جوانب المؤسسة من خلال خمسة محاور رئيسة، تتضمن: "الاستراتيجية؛ والتقنية؛ والمنظمات أو الوحدات الداخلية والخارجية ذات العلاقة؛ والإنسان أو العامل البشري المرتبط بجوانب عمل المؤسسة كافة؛ إضافة إلى البيئة التي تعمل المؤسسة في إطارها، بما يشمل الأنظمة والتشريعات وشؤون تنظيم العمل داخليا وخارجيا". ويعبر عن هذه النظرة الهيكلية بالاختصار "نظرة ستوب STOPE View".
يمثل فهم "حالة المؤسسة" القاعدة المعرفية اللازمة للوظائف التالية. بعدها تأتي وظيفة وضع "رؤية استراتيجية للابتكار خاصة بالمؤسسة". تتضمن هذه الوظيفة: تحديد التوجه الاستراتيجي للابتكار المنشود عبر بيان طموحات المؤسسة بشأن الابتكار؛ وتأكيد التزام إدارة المؤسسة بهذا التوجه؛ وقيامها بالعمل على تفعيل ثقافة الابتكار بين منسوبيها؛ إضافة إلى تحديد المسؤوليات والصلاحيات المطلوبة للعمل. وهنا تبرز وظيفة التخطيط "لنجاح الابتكار" التي تتضمن التخطيط للمهمات المطلوب تنفيذها بما يشمل تحديد أهدافها وإجراءات تنفيذها؛ ويضاف إلى ذلك أخذ مسألة المخاطر إلى جانب مسألة الفرص المتاحة في الحسبان.
ونأتي إلى وظيفة الاستفادة من "العوامل الممكنة للابتكار"، حيث هناك تسعة عوامل رئيسة. وتشمل هذه العوامل: تنظيم إدارة المهمات والمسؤوليات؛ وإتاحة المصادر الرئيسة بما يتضمن: الإمكانات البشرية، والتقنية، وأماكن العمل، والدعم المالي؛ وتوفير الخبرات المتميزة؛ والتوعية بشأن الابتكار؛ والتمكين من التواصل بشأنه؛ وتوثيق المعطيات المختلفة؛ وتوجيه الإمكانات والخبرات نحو الابتكار وتفعيلها؛ وإدارة المعرفة في المؤسسة مع المحافظة على حقوق الملكية الفكرية؛ إضافة أيضا إلى التعاون كعامل مهم من العوامل الممكنة.
ونصل إلى الوظيفة الجوهرية في إطار "نظام إدارة الابتكار"؛ وهي "عملية الابتكار" أو "الابتكار المنهجي". تشمل هذه العملية: ست مراحل منهجية متسلسلة تسعى إلى الحصول على ابتكار واعد. تتضمن هذه المراحل: إطلاق فكرة الابتكار؛ وإدارتها بمعنى اختبار أهليتها؛ ثم تحويلها إلى مشروع يجسدها؛ واستيعاب إمكانات الاستفادة من هذا المشروع؛ وكيفية السعي إلى تسويقه؛ إضافة إلى وضعه بالشكل النهائي على أساس ما سبق. ثم هناك مرحلة أخرى إضافية تعمل على تقييم كل ابتكار واعد والتأكد منه ومن إمكاناته وعطائه، وربما إعادة النظر فيه وإحالته مرة أخرى إلى المراحل الست. وتأتي في النهاية وظيفتان مترابطتان: الأولى تعنى بتقييم أداء "نظام إدارة الابتكار"؛ وتهتم الثانية بالعمل على تحسين هذا النظام.
تمثل "الفكرة"؛ الأساس في عملية الابتكار المنهجي، التي تعد الوظيفة الجوهرية "لنظام إدارة الابتكار" في المؤسسات. وتعمل الوظائف الأخرى لهذا النظام على "تمكين الوظيفة الجوهرية"، وبالتالي إطلاق و"تفعيل الأفكار". وبقدر "جودة الأفكار وحسن تأهيلها" ترتقي قدرة المؤسسة على العطاء والمنافسة وتحقيق النجاح الذي تتطلع إليه. و"الفكرة" - بالطبع - هي "الإنسان"، وفي المؤسسات هي "منسوبوها". لذلك، فإن على كل مؤسسة أن تفعل مبدأ "التفكير" بين منسوبيها، وأن تتيح لهم تقديم الأفكار المبتكرة، وأن تديرها وتستفيد منها بأفضل وجه ممكن.

إنشرها