التحرر من النفط لا يعني انكماش صناعته

|


هناك لبس عند البعض حول ماهية التحرر من النفط، وهل يعني ذلك الاستغناء كليا عن النفط في المستقبل؟ وهل يعني ذلك بالضرورة انكماش الصناعة النفطية تدريجيا حتى يتحقق هذا الهدف المنشود؟ التحرر من النفط إحدى أهم الركائز الأساسية في "الرؤية" المباركة للمملكة التي نفخر بها جميعا، التي أرسى قواعدها وحمل لواءها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. من أهم أهداف "الرؤية" رفع الصادرات غير النفطية من 16 في المائة من إجمالي الناتج غير النفطي إلى نسبة 50 في المائة بحلول عام 2030 بإذن الله. قبل أسبوع حللت ضيفا على إحدى القنوات السعودية، وقد سألني مقدم البرنامج سؤالا مهما يشكر عليه وأعتقد أن إجابته تهم كثيرا من المهتمين بالصناعة النفطية ويستحق بلا شك أن أفرد له سلسلة من المقالات.
والسؤال هو: "كيف نجمع بين التحرر من النفط وبين التوجه الحكومي القوي في التوسع في الصناعة النفطية؟" أرى أنه ليس هناك أي تعارض بين رفع الصادرات غير النفطية إلى 50 في المائة من الصادرات السعودية وبين التوسع في المشاريع النفطية، ولا تربطهما علاقة عكسية، حيث إن الصناعة النفطية لا تقتصر على صناعة "المنبع" وليست حكرا على بيع وتصدير النفط الخام الذي يشكل الإيرادات النفطية للمملكة، فالصناعة النفطية تشمل أيضا صناعة "المصب" من تكرير النفط ومعالجته والاستفادة من مشتقاته للاستهلاك المحلي أو لتصدير هذه المشتقات، والصناعات البتروكيماوية. أجد أنه من المهم أن أعرج بإيجاز على استراتيجية "أرامكو السعودية" المميزة في التكامل بين صناعة المنبع والمصب لتحقيق القيمة المضافة بإيجاد شبكة صناعة تحويلية عالمية رائدة ومتكاملة استراتيجيا، حيث تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق أقصى قيمة ممكنة من كل مكون من مكونات المواد الهيدروكربونية التي تنتجها "أرامكو"، وذلك بإنشاء أعمال تجارية دولية متكاملة للمواد الكيميائية، وزيادة تكامل مرافق قطاع التكرير والمعالجة والتسويق.
الأمثلة على هذا التكامل بين الصناعتين كثيرة ومن أهمها استحواذ "أرامكو السعودية" على نسبة 70 في المائة من الشركة السعودية للصناعات الأساسية "سابك" الذي سبقه تعاون بين هذين العملاقين واتفاقيات لتطوير تطبيقات لاستخدام النفط لأغراض غير إنتاج الوقود وتحويل النفط الخام إلى كيميائيات، ومن المتوقع أن يقوم المشروع بمعالجة 400 ألف برميل يوميا من النفط الخام لإنتاج تسعة ملايين طن سنويا من الكيميائيات وزيوت الأساس. إضافة إلى شركة صدارة للكيميائيات التي نتجت عن تحالف "أرامكو السعودية" وشركة داو كيميكال لتنمية قطاع الصناعات التحويلية في السعودية. الاستثمارات الخارجية في المصافي تعزيز لهذه الاستراتيجية حيث تملك "أرامكو السعودية" مصفاة "موتيفا" في الولايات المتحدة بنسبة 100 في المائة، وتمتلك 63.4 في المائة من مصفاة "إس أويل" في كوريا وغيرهما، وهناك توجه للاستثمار في دول أخرى لخدمة الهدف ذاته. الغاز الطبيعي من الثروات الطبيعية التي من الله بها على هذا الوطن المبارك، فأين موقعه من هذه المعادلة؟ وهل يعني ارتفاع قيمة الصادرات غير النفطية بالضرورة انخفاضا في قيمة الصادرات النفطية؟ سأجيب عن هذين السؤالين في المقال القادم بإذن الله.

إنشرها