هل تعيش لنفسك أم للآخرين؟

|


بفضل تقدم التقنيات واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل "سناب" وغيره، ازداد الهوس بالموضة ومتابعة المشاهير، لسهولة المتابعة اليومية سواء للممثلين والممثلات أو مشاهير الميديا، في ملابسهم وتسريحات شعرهم وأسفارهم والمطاعم التي يرتادونها، وأحيانا تقليدهم في طريقة الكلام والمشي والملبس والمأكل. وهذا الهوس لدى الشباب حقق لمشاهير السوشيال ميدياSocial Media مزيدا من الشهرة، وزيادة في الدخل إلى أرقام فلكية بسبب كثرة المتابعين وزيادة أسعار الإعلانات ونحوها. وهناك ارتباط بين جنون الموضة وهوس متابعة المشاهير، فهما من نتائج عواصف رياح العولمة التي تجتاح العالم أجمع، وهي ليست خاصة ببلد معين، ولكن هناك تفاوت في درجة هوس الشباب وانغماسهم من بلد إلى آخر، اعتمادا على صمامات الأمان الاجتماعية ومدى ترسيخ القيم المحلية التي تدعو إلى عدم الانسياق وراء الموضات والولع بأنماط حياة المشاهير.
متابعة الموضة أو المشاهير نشاط شخصي واختياري، وليس هناك اعتراض على الظهور بمظهر أنيق وجميل، فالنظافة من الإيمان، وإظهار النعمة والحديث عنها أمر مطلوب، قال تعالى "وأما بنعمة ربك فحدث"، ولكن دون تجاوز لحدود المعقول، والتضحية بأمور أخرى مثل استنزاف الحساب البنكي قبل نهاية الشهر أو الدخول في ديون باستخدام بطاقات الائتمان على حساب أمور أخرى أكثر أهمية كالإنفاق على الأسرة أو الصحة أو التعليم، أو المأكل. ومن المؤسف أن يصل الهوس لدى بعض عشاق الموضة إلى إنفاق أضعاف السعر المعتاد للملابس التي تتميز بجودة معقولة، بل ينفقون عشرات الأضعاف على حقيبة يد أو ساعة أو بنطال، من أجل وجود علامة تجارية معينة. فبعض النساء – على سبيل المثال - ينفقن ما يعادل راتب شهر كامل، لشراء حقيبة يد واحدة بمبلغ يفوق خمسة أو عشرة أو حتى عشرين ألف ريـال. ولا يقتصر الأمر على النساء، بل تتناقل وسائل التواصل تصريح أحد الشباب بأن الهوس وصل به إلى أنه لا ينام الليل إذا رأى شخصا في مثل قامته يعيش في محيطه الاجتماعي يرتدي ملابس جديدة تحمل ماركة عالمية، إلا بعد أن يتمكن من شراء مثلها. ويتفاقم هذا الأمر عندما تكون بيئة الأسرة مشجعة على ذلك، خاصة إذا كان الأبوان متابعين – أيضا – لحياة المشاهير. في مجال المطاعم والمقاهي، يلجأ بعض الناس للذهاب إلى مطاعم غالية جدا تفوق إمكاناتهم المادية من أجل التباهي أمام الأصدقاء والأقران بأنهم ذهبوا إلى المطاعم التي زارها أحد مشاهير التواصل الاجتماعي، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يقومون بتصوير المطعم والوجبات لنشر دعاية مجانية وإغراء الآخرين للتقليد والذهاب للمطاعم نفسها، وبذلك يكسب المطعم على حساب جيوب بعض الفقراء.
بوجه عام، هناك من يرى أن هوس الموضة ومتابعة المشاهير دليل على الاهتمام بالأناقة، ويعكس المستوى الاجتماعي الذي ينتمي إليه الشاب، في حين يعتقد البعض الآخر أن هذا الهوس يدل على ضعف الشخصية وعدم الثقة بالنفس والانسياق الأعمى وراء الآخرين، ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فيصفه بأنه اضطراب نفسي.
متابعة المشاهير تولد – في النهاية - الإحباط لدى بعض الشباب لعدم تمكنهم من الاستمتاع بالمستوى المعيشي والملذات التي يصورها أبطالهم في السوشيال ميديا Social Media، وتجعل الشاب يعيش في حياة وهمية ويتقمص حياة ليست حياته، لا يستطيع الوصول إليها. وعلاوة على ذلك، فإن هوس الموضة يؤدي إلى المنافسة والمباهاة فيما بين الشباب أنفسهم، ويجفف الموارد المالية للشاب أو الشابة ويحرمه من تحقيق مكاسب أكثر أهمية، ويسبب مشكلات أسرية بسبب إصرار الزوجة أو البنت على شراء الماركات الغالية التي تهدر موارد الأسرة. وعلاوة على ذلك، فإن هوس الموضة يتسبب في ظهور مجتمعات استهلاكية لا تعرف الادخار والاستثمار للمستقبل.
والسؤال: من المسؤول؟ لا شك أن الإعلام والأقران والأسرة والمدرسة تتحمل المسؤولية، ولكن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق الأسرة، التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية توعية أبنائها بتفاهة ظاهرة الهوس بالمشاهير والموضة، وتوضيح أن المظهر ليس هو كل شيء في حياة الإنسان، بل إن الأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين وتحقيق الأهداف المهمة للإنسان كالتعليم والزواج وامتلاك المسكن المناسب هي الأهم. وأخيرا، مع الإيمان بتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من مشاهير وموضات، لا بد من السؤال: هل تعيش لنفسك أم تعيش للآخرين؟!

إنشرها