تقارير و تحليلات

30 مضيقا مائيا تمثل عصب التجارة في العالم .. و«هرمز» أهمها للصادرات النفطية

منذ الكشف عن محاولة زوارق إيرانية الاقتراب من ناقلة نفط بريطانية يوم الأربعاء الماضي في مضيق هرمز، وسعيها إلى دفع الناقلة للتوقف في المياه الإقليمية الإيرانية، وانسحابها إثر تلقيها تحذيرات من سفينة حربية بريطانية، والحديث يعود مجددا إلى الوضع الاستراتيجي لمضيق هرمز وغيره من المضائق البحرية في العالم، والأهمية الاستراتيجية لها، خاصة في مجال التجارة الدولية، والمشكلات التي يمكن أن تصيب منظومة الأمن والاقتصاد العالميين، في حال تعرض المضائق الدولية لأخطار تعوق حرية الملاحة فيها.
جغرافيا يعرف المضيق باعتباره ممرا مائيا مكونا بشكل طبيعي وملائم يربط بين مسطحين أكبر من المياه، بتعبير آخر يعد المضيق قناة مائية تقع بين كتلتين أرضيتين.
وبطبيعة الحال ليست كل المضائق صالحة للملاحة سواء لضحالتها، أو للشعاب والصخور التي توجد فيها، ولا تسمح بإمكانية الملاحة أو تعرضها للخطر.
تاريخيا خاضت عديد من الدول حروبا طاحنة للسيطرة على المضائق، سواء كان ذلك لأسباب تتعلق بالسيادة الوطنية، أو لعوامل أخرى أغلبها اقتصادية وتجارية وحربية، فالسيطرة على المضائق أو القنوات المائية الاستراتيجية يعني في كثير من الأحيان الهيمنة والتحكم في مسار التجارة الدولية، هذا التحكم يدفع الخصم إلى البحث عن ممرات تجارية أطول وأعقد وأكثر خطورة لإيصال منتجاته إلى الأسواق العالمية، ما يرفع تكلفة المنتج النهائي ويخرجه خارج إطار المنافسة، ومن ثم يصيب الخصوم بالضرر.
كما أن السيطرة على المضائق البحرية أمر شديد الحيوية في أوقات النزاعات العسكرية، إذ يحول دون إمداد الخصم لقواته بالمؤن والاحتياجات العسكرية.
ويقول لـ"الاقتصادية" ريتشارد هايمان أستاذ مادة الجغرافيا الاستراتيجية في جامعة لندن، "هناك عديد من المضائق في العالم، لكنها لا تحظى جميعا بالدرجة ذاتها من الأهمية الاقتصادية أو العسكرية، إذ ترتبط أهمية مضيق ما بعديد من العوامل، من بينها حجم التجارة الدولية التي تمر عبره، ونوعية السلع التي تمر به، وأهميتها الاستراتيجية، وكذلك وضعية الدول التي تطل عليه، ومدى قوتها العسكرية والاقتصادية".
ويضيف "الأهمية الاستراتيجية للمضائق تتغير عبر الزمن فقد تتراجع أهميتها أو تزيد، وذلك لعوامل اقتصادية مثل تغير موازين القوى الاقتصادية للدول، التي تستخدم المضيق في تجارتها، فاكتشاف سلعة مثل النفط جعل مضيق هرمز حاليا أحد أهم المضائق العالمية إن لم يكن أهمها جميعا، لكن الدول التي تعتمد على مضيق ما غالبا ما تسعى لتنويع منافذها للعالم الخارجي وعدم الاعتماد على منفذ واحد، إذ إن وضع البيض في سلة واحدة قد يكون شديد الخطورة في أوقات النزاعات".

أهم المضائق في العالم
يشير الدكتور سيمون فوت أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في جامعة جلاسكو إلى وجود عدد كبير من المضائق حول العالم، لكن لا تحظى جميعها بالأهمية ذاتها للتجارة، أو حتى الملاحة الدولية.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" أنه يوجد في العالم نحو 129 مضيقا مائيا، لكنها لا تستخدم جميعا لعدم صلاحيتها للملاحة، أو لأن الناقلات البحرية العملاقة لا يمكنها العبور عبر المضيق لوجود معوقات طبيعية، لكن يمكن القول إن هناك نحو 29 أو 30 مضيقا في العالم تمثل أهم المضائق، من بينها نحو عشرة مضائق شديدة الأهمية وتمثل عصب التجارة الدولية، حيث يمكن وصف خمسة منها بأنها مضائق استراتيجية، يؤدي التوتر أو النزاع بشأنها أو حولها إلى انعكاسات على النظام العالمي ككل، فمن يهيمن عليها أو على معظمها، يمكنه السيطرة وتوجيه حركة التجارة الدولية، كما أنه سيمتلك تفوقا عسكريا ملحوظا على خصومه.

مضيق هرمز
يضيف فوت "لا شك أن مضيق هرمز الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، يعد في الوقت الحالي المضيق الأكثر إثارة للجدل بين المضائق العالمية، فالتوترات التي تشهدها منطقة الخليج أهم منتج للنفط في العالم، والأهمية الاستراتيجية للنفط، والرغبات التوسعية والعدوانية الإيرانية ومناكفاتها في هذا المضيق، كل هذا يجعل جميع أنظار العالم متجها إلى تلك البقعة الجغرافية في الوقت الحالي".
ويلفت إلى الطبيعة الجغرافية للمضيق ذاته، إذ إنه المنفذ البحري الوحيد لعدد من الدول مثل الكويت والبحرين وقطر والعراق، إضافة إلى أن طوله لا يتجاوز 39 كيلو مترا وعرضه لا يزيد على 50 كيلومتر، وفي أضيق نقطة له يبلغ 34 كيلومترا فقط، بينما ممرات الشحن في كلا الاتجاهين لا يتجاوز عرضها ثلاثة كيلو مترات، وعمقه لا يزيد على 60 مترا فقط، كما أنه شديد الازدحام فيما يتعلق بناقلات النفط، ويعبره نحو سدس النفط العالمي يوميا أي ما يقدر بـ18.5 مليون برميل نفط، وثلث الغاز الطبيعي المسال في العالم، كل هذا يجعله أحد شرايين الاقتصاد العالمي، ويجعل أي هزة أمنية أو عدم استقرار بشأن حرية الملاحة ذات أصداء دولية.
بدوره، يشير الباحث ألكسندر واتسون أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة ليدز إلى أن الوضع الراهن في منطقة الخليج، وما يصفها بالنوايا الإيرانية العدوانية لإغلاق المضيق يجب أن تؤخذ على محمل الجد.
ويشدد لـ"الاقتصادية" على ضرورة الجدية في التعامل مع تلك التهديدات، حيث إنه خلال الحرب الإيرانية- العراقية، كانت هناك مساع إيرانية لإغلاق المضيق، والسيطرة عليه فيما عرف بحرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تعرضت أكثر من 200 ناقلة للهجوم وغرق 55 منها، لكن إيران فشلت بفضل الموقف الأمريكي، والتأييد الدولي الذي ساند واشنطن في مواقفها، نظرا للطابع الاستراتيجي لها، وقد ازدادت أهمية المضيق منذ ذلك الحين حتى الآن.
ويؤكد أن النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يوميا أكثر من النفط الذي يمر من أي مضيق آخر في العالم، فالمضيق الذي يلي هرمز فيما يتعلق بالنفط الذي يمر عبره هو مضيق ملقا، حيث يمر به يوميا 15.7 مليون برميل، بينما قناة السويس لم يمر بها سوى 4.6 مليون برميل على أساس يومي العام الماضي، ولهذه التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق والتضييق على ناقلات النفط ينظر إليه باعتباره خطرا شديدا على الاقتصاد الدولي.
ويضيف "الأحداث الأخيرة لم تؤثر بشكل كبير في أسواق النفط العالمية، إلا أن تكاليف التأمين لشركات الشحن، التي تعبر الخليج العربي ارتفعت بمقدار عشرة أضعاف في الشهرين الماضيين، وتواصل تلك المخاوف يمكن أن يكون له تأثير مستقبلي كبير على أسعار النفط العالمية، التي يمكن أن ترتفع لمعدلات غير مسبوقة، ما يعمق الأزمة الاقتصادية على المستوى العالمي ككل، خاصة أن الاقتصاد الدولي يمر بلحظة فارقة، تتطلب خفض حدة التوترات الدولية سريعا".

مضيق ملقا
يلي مضيق ملقا في الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد العالمي مضيق هرمز. ومضيق ملقا طريق طبيعي للمياه يربط بحر أندامان (المحيط الهندي)، وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمتد بين جزيرة سومطرة الإندونيسية من الغرب، وشبه جزيرة ماليزيا من الشرق وجنوب تايلاند إلى أقصى الشرق، ويشبه في تركيبته الجغرافية القمع، إذ يبلغ طوله 800 كيلومتر، بينما لا يتجاوز عرضه 65 كيلومترا في الجنوب.
ويحظى مضيق ملقا بأهمية تجارية عالية، لأنه قناة الشحن الرئيسة بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ، إذ يربط الاقتصادات الآسيوية الرئيسة مثل الهند وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة والصين واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية ببعضها بعضا وبالاقتصاد العالمي.
ويعد مضيق ملقا واحدا من أكثر المناطق ضعفا في العالم، جراء الصراعات السياسية وعمليات القرصنة واسعة النطاق فيه أو الكوارث الطبيعية.
ويقول لـ"الاقتصادية" المهندس البحري سيمون ويب من اتحاد الملاحة البحرية، "مضيق ملقا واحد من أهم نقاط المرور في العالم، فهو أقصر طريق بحري بين القرن الإفريقي والخليج العربي إلى شرق آسيا والمحيط الهادئ، وعرضه يبلغ 1.5 ميل بحري فقط أي 2.8 كيلو متر في أضيق نقطة، لكنه ليس مجرد قناة للحركة البحرية من الشرق إلى الغرب أو العكس، فالمضيق يسهم في دمج المقاطعات والبلدان على جانبيه، والشبكات الاجتماعية العابرة للحدود على جنبي المضيق متنوعة عرقيا، ولكنها متكاملة بشكل وثيق، وهذا يوفر فرصا كبيرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الساحلية المطلة عليه".
لكن المضيق يواجه أيضا ما يعده البعض مساعي صينية للسيطرة عليه والتحكم فيه. و25 في المائة من التجارة الدولية تمر عبر المضيق، أي ما يعادل 100 ألف سفينة كل عام، كما أنه يعد نقطة اختناق مهمة من الناحية الاستراتيجية لواردات النفط الصينية القادمة من منطقة الخليج العربي، وكذلك للمواد الخام القادمة من القارة الإفريقية، حيث استثمرت الصين مليارات الدولارات في مشاريع التعدين.
ويرجح خبراء أن أي اضطرابات في المضيق، من شأنها أن تجبر ما يقرب من نصف أسطول النقل البحري في العالم، على إعادة توجيه مساراتها البحرية، ما يزيد من تكاليف الشحن ويؤثر في أسعار الطاقة.
هذه الأهمية الاستراتيجية تشرح جزئيا استمرار وجود الأسطول السابع الأمريكي في اليابان، فبقدر ضمان الأمن في المنطقة، فإنه يعد بمنزلة تذكير للصين بأن واشنطن ستدافع عن مصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها الإقليميين في وجه أي اعتداء خارجي.
ولهذا يرى البعض أن الصين، التي تدرك اعتمادها على المضيق، تعمل على تطوير طرق بديلة عبر سريلانكا وباكستان، كما أنها قامت بتشييد خط أنابيب للغاز من ميانمار يعمل الآن بكامل طاقته، ولكن حتى تكتمل تلك المشاريع الصينية، فإن المضيق سيظل طريق الشحن المفضل من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ، ومن المتوقع أن تتضاعف حركة المرور فيه خلال العقد المقبل.

مضيق باب المندب
عبارة عن رقبة ضيقة من المياه التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتتحكم كل من اليمن وإريتريا وجيبوتي في هذا الممر المائي الضيق، الذي ينقسم إلى قناتين بواسطة جزيرة بيريم.
وبينما تستخدم السفن الأكبر حجما القناة الغربية الأوسع والأعمق، التي يبلغ عرضها في أضيق نقطة نحو 25 كيلومترا وعمق 310 أمتار، فإن القناة الأصغر تمتد على طول الساحل اليمني بعرض ميلين.
ويقول لـ"الاقتصادية" القبطان توماس كارليل من شركة لويدز للتأمين البحري، "في الواقع باب المندب إحدى حلقات الوصل الرئيسة في مسار التجارة الدولية بين البحر المتوسط وآسيا، سواء السفن التجارية بين أوروبا وآسيا، أو ناقلات النفط القادمة من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، ونحو خمسة ملايين برميل من النفط الخام يمر عبر مضيق باب المندب يوميا".
وحول إمكانية إيجاد بدائل لباب المندب في ظل الاضطرابات، التي تشهدها اليمن والتهديد للملاحة الدولية، يؤكد القبطان توماس أنه يمكن للسفن التي تنقل النفط من الخليج العربي إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، أن تتجنب في الوقت ذاته باب المندب من خلال السفر حول الطرف الجنوبي لإفريقيا، لكن هذا سيزيد زمن الرحلة بما يراوح بين 28 في المائة وثلاث مرات إذا كانت متجهة لإيطاليا مثلا، وسيضيف إلى تكاليف الشحن والوقود والتأمين أيضا، فالرحلة من السعودية إلى روتردام في هولندا، تستغرق قرابة 22 يوما عبر مضيق باب المندب وقناة السويس مقارنة بـ38 يوما عبر الجزء الجنوب من إفريقيا.

مضيق جبل طارق
يحتل مضيق جبل طارق موقع مهم من الناحية الاستراتيجية، إذ يفصل أوروبا عن إفريقيا ويصل بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
ويبلغ طول المضيق 58 كيلومترا بين نقطة ماروكوي الإسبانية والمغرب، بينما يبلغ عرضه في طرفه الغربي 43 كيلومترا، وفي الطرف الشرقي 23 كيلومترا، بينما أضيق نقطة في المضيق تبلغ 14.3 كيلو متر، في الوقت الذي يراوح عمقه بين 300 و900 متر، ويتطلب عبور العبارات بين القارتين 35 دقيقة.
يعد الباحث في الشؤون السياسة كريستوفر مارتن، أن جبل طارق هو مدخل العالم سواء آسيا أو إفريقيا وأجزاء كبيرة من أوروبا إلى العالم الجديد، سواء في أمريكا الشمالية أو أمريكا الجنوبية، حيث إن عدد السفن التي تمر عبره تبلغ 120 ألف سفينة سنويا، وعلى الرغم من استقرار الأوضاع في منطقة جبل طارق، التي تعد جزءا من التاج البريطاني، فإن الجانب الإسباني لا يزال يصر على ضرورة استعادة منطقة جبل طارق، ويتعامل معها باعتبارها خاضعة للاحتلال البريطاني.
ويضيف "هناك عديد من المخاوف بأن يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى زيادة الاحتكاك والتوتر بين الجانب الإسباني والبريطاني بشأن لمن تؤل السيادة على منطقة جبل طارق، فعضوية بريطانيا في الاتحاد كانت تدفع إسبانيا إلى الأخذ في الاعتبار ضرورة حل الخلاف بين الطرفين عبر الآليات الرسمية للاتحاد الأوروبي، أما الآن قد يختلف الوضع، بما يتضمنه ذلك من إمكانية التصعيد الدبلوماسي بشأن تلك القضية، وإذا حركت إسبانيا أسطولها البحري، فإن الملاحة الدولية في المضيق قد تكون عرضة للخطر".

مضيق البوسفور
لعب مضيق البوسفور دورا رئيسا في التجارة العالمية لعدة قرون، إذ يربط البحر الأسود مع بحر مرمرة وعبر مضيق الدردنيل مع البحر المتوسط، ويمر في مضيق البوسفور 48 ألف سفينة كل عام، ما يجعله واحدا من أكثر البوابات البحرية ازدحاما في العالم.
ويبلغ طول المضيق 30 كيلومترا وأقصى عرض له 3.7 كيلو متر عند المدخل الشمالي، بينما الحد الأدنى للعرض 750 مترا، ويراوح العمق من 36.5 متر إلى 124 مترا.
ويقول لـ"الاقتصادية" الدكتور ديفيد دوكينز، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة ويلز، "ما لا يعرفه الكثيرون أن مضيق البوسفور مهد الطريق لاكتشاف الأمريكتين، فبعد الفتح العثماني للقسطنطينية، التي أصبحت إسطنبول لاحقا، وسيطرة الخلافة العثمانية لاحقا على طرق التجارة، كان على القوى الأوروبية أن تبحث عن طرق تجارية أخرى خارج مضيق البوسفور عبر طرق بحرية جديدة، ما أسهم لاحقا في اكتشاف الأمريكتين". ويضيف "بالنسبة للنقل البحري فهو من أهم نقاط المرور في العالم بالنسبة للنقل البحري للنفط، إذ يمر به أكثر من 3 في المائة من الإمدادات العالمية أو ثلاثة ملايين برميل يوميا معظمها من روسيا وبحر قزوين، كما يشحن عن طريقه كميات هائلة من الحبوب من روسيا وأوكرانيا وكازاخستان إلى الأسواق الدولية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات