ما تأثير مجموعة العشرين؟ «1 من 2»

|


أشرت في مقالات سابقة أن مجموعة العشرين هي الدول التي تستحوذ على أكثر من 85 في المائة من قيمة الناتج المحلي العالمي، وهذا يعني أنها هي التي تنتج للعالم، وهي التي تشتري هذا الإنتاج، وهناك نظرية اقتصادية قديمة تقول "إن ما هو صحيح اقتصاديا عند مستوى الأسرة هو صحيح أيضا عند مستوى الدولة"، يعني "إذا فهمت كيف تعيش الأسر وكيف تحصل على دخلها وكيف تنفقه، عرفت كيف تعيش الدولة". ويبدو أن هذه المقولة تم تطويرها حتى أصبحت على مستوى الكرة الأرضية، فما هو صحيح في اقتصاد الدولة هو صحيح أيضا في الاقتصاد الكلي لمجموع دول العالم.. هكذا بنت مجموعة العشرين فلسفتها.
مجموعة العشرين تفكر كما يفكر الأب الذي لديه أسرة وأبناء، كيف سيقوم بتغذيتهم، لهذا تفكر "المجموعة" في غذاء العالم بشكل مقلق، وأخطر ما يقلقها ويهدد الغذاء العالمي، هو المناخ والتغيرات المناخية التي تؤثر في المحاصيل وتتلف المزارع، وكذلك الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء نتيجة هذه التغيرات المناخية وارتفاع أسعار الطاقة أيضا، فكلما نقص الغذاء في العالم ارتفعت أسعاره، وكلما ارتفعت أسعاره زاد فقر العالم وانخفضت القدرة الشرائية للمنتجات الأخرى، وعم التباطؤ ثم البطالة ثم زيادة الفقر ثم الجوع، وهكذا في موجة لا تنتهي إلا بعودة النمو الاقتصادي في جانب الغذاء، وهنا تأتي الضغوط دائما لتحفيز النشاط الاقتصادي في دول العالم وتوازن أسواق الطاقة، والمناقشات دائما تبدأ هنا وتنتهي حول الطاقة. لهذا، فكلمة المملكة مسموعة، وصوتها قوي، وحضورها متوهج، وسعيها إلى توازن الأسواق يجد صداه، وإذا اندلعت مشكلة غذاء في أقصى الكرة الأرضية، انتهت بمناقشة أسعار الطاقة العالمية وتوجهت الأنظار إلى المملكة.
بسبب الخوف من الفقر ونقص الغذاء، فإن الاقتصاد العالمي يخشى الهجرة الجماعية كخشية الموت نفسه، ذلك أنها تربك خطط التنمية وتوازن القوى العاملة في العالم، وتضاعف فاتورة المعونات غير المجدية اقتصاديا، وتتسبب في الفقر والجوع وضياع الثروات، فإذا تمت مكافحة الهجرة صرخت حقوق الإنسان والأخلاق، وإذا سمح بها عم الفقر والجوع، والحل هو في محاربة أسبابها، ومن أشد أسبابها الحروب الأهلية التي تنتج من التخلخل السياسي والاجتماعي في الدول، والفساد هو أكبر مخلخل اجتماعي وسياسي في أي دولة، فليست الديمقراطية ولا الدكتاتورية سببا، لكنه الفساد، والتحيز الحكومي الآثم نحو مصالح فئات محدودة على حساب البقية. ومحاربة الفساد ليست مجرد شعارات واهية، بل هي تصرفات وسلوك وحوكمة فاعلة، هنا تجد قرارات مجموعة العشرين تظهر في الدول على شكل ضغط لا يكل ولا يمل لمحاربة الفساد. متطلبات هائلة في مجال الحوكمة تزداد يوما بعد يوم، ومتطلبات لحماية أصحاب المصلحة والتمثيل الصادق، والمشاركة الواسعة، وهنا يطالب المجتمع الدولي بتشريعات لا تنتهي لضبط الحوكمة في مؤسسات الدولة كافة، ويطالب بتشريعات ضد الفساد ومدونات للسلوك ومراقبته، ويطالب بمؤسسات حكومية لمكافحته، وبمؤسسات أهلية أيضا، كما يطالب بتفعيل إدارات المراجعة الداخلية، وإدارة المخاطر، وتحسين الرقابة الداخلية في المؤسسات الحكومية، ويراقب من كثب ماذا يحدث من تطور بشأنها. كما أن المجتمع الدولي يسأل دائما عن الميزانية العامة للدولة وكيفية تخصيصها، وآليات مكافحة العجز، ويرسل البعثات إلى الدول للمناقشة ورفع التقارير التي قد تستفز الوفود الدبلوماسية في دول مجموعة العشرين إذا بدأ القلق يسري عند الجميع من تفشي الفساد في أي دولة.
بسبب القلق من الفساد، فإن الاقتصاد العالمي يخشى الدول المغلقة، التي لا تفصح عن أعمالها ولا بيانات ميزانياتها، ولا حجم العمالة فيها، ولا كيف تستثمر اقتصادها. لقد أثبتت تجربة اليونان أن مثل هذا الاتجاه قد يقود إلى سلسلة أزمات في عدة دول ثم إلى كارثة عالمية بسبب أخطاء دولة واحدة أو حتى شخص متنفذ في دولة واحدة. لهذا، تطالب مجموعة العشرين بمزيد من الشفافية والإفصاح والإعلان المستمر عن الوضع الاقتصادي، وأي تراخ في هذا الجانب يواجه عاصفة من النقد، فلا بد من إفصاح شامل عن أرقام البطالة والدين العام والعجز ومعدلات الفائدة، وتطالب كذلك بإصلاحات في إعداد الميزانية العامة للدولة وطريقة تمويلها، وأن يكون ذلك ضمن اتجاه عالمي موحد، فالضرائب باعتبارها موردا للمالية العامة، هي مطلب عالمي، ذلك أنها تمكن من إعادة توزيع الثروة، وتمكن المالية العامة من الاستدامة. ويطالب المجتمع الدولي برفع الدعم حتى لا يتم استخدام أموال المقرضين في رفاهية الشعب للفوز برضاهم، ولأن المجتمع العالمي مترابط، فإن دافعي الضرائب في دولة ما هم من يقوم بدفع فاتورة رفاهية شعب آخر قد ينظر إليه كسولا، وهذا يوجد أزمات وتفاوت دخل بين الشعوب لا مبرر له. هكذا تعيش الشعوب في مستوى واحد، وتنعم برخاء مستدام... يتبع.

إنشرها