الابتكار .. وعطاء المؤسسات

|

طرحنا في مقالات سابقة "مفاهيم تجدد المعرفة"، وبينا، في هذا المجال، أن "الابتكار" ينطلق من "فكرة"، وأن هذه الفكرة يجب أن تستند إلى مبادئ علمية سليمة، ودراسة كافية، وأن تتمتع بفائدة "تنموية". وناقشنا مسألة الارتقاء بدور "التعليم" ليشمل ليس فقط تأهيل الإنسان "بالمعرفة والمهارات الأساسية وإعداده للحياة والعمل المهني"، بل تمكينه من "التفكير وتقديم أفكار جديدة تطلق الابتكار وتسهم في التنمية". ويسعى مقال اليوم إلى الانتقال "بالابتكار" من التعليم إلى "المؤسسات" التي تحتاج إلى الإنسان المبتكر، بل تتنافس على من هم أكثر قدرة على الابتكار، كي تستفيد منهم في تفعيل قدرتها على التنافس مع المؤسسات الأخرى.


إذا أردنا أن نحدد معطيات الابتكار للمؤسسات، فلعلنا نعود إلى تعريف الابتكار الشهير، الصادر عن "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD". فالابتكار بناء على هذا التعريف يقدم: "منتجات جديدة أو مطورة بدرجة عالية تتمثل في: سلع، أو خدمات، أو إجراءات عمل، أو أساليب تنظيم، أو طرق تسويق؛ وذلك في مجالات تتضمن: ممارسة الأعمال، وتنظيم شؤونها، وإدارة التعامل مع الآخرين". وعلى أساس معطيات الابتكار هذه، تتميز المؤسسات حينما تصبح أكثر قدرة على الابتكار، وتقديم منتجات وخدمات غير مسبوقة، وإيجاد حلول لمشكلات قائمة، والإسهام في التنمية، وتعزيز استدامتها. ويحقق ذلك الازدهار ليس فقط "للمؤسسة" المعنية، بل "للدولة" التي تنتمي إليها، ولدول "العالم" الأخرى التي يمكن أن تستفيد من معطياتها.


يمثل وعي المؤسسات "بالحاجة إلى الابتكار" دافعا أوليا لتحفيز منسوبيها على الإسهام فيه، والعمل على إدارته والاستفادة منه. ومن الأمور الإيجابية التي تستحق الثناء، في مجال الوعي بهذه الحاجة، ما ورد في "الدليل الاسترشادي لقواعد أخلاقيات العمل" الذي أصدرته وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية في شباط (فبراير) 2017 مستهدفة تفعيل الالتزام بأخلاقيات العمل في المؤسسات. فالالتزام الأخلاقي، طبقا للدليل، "يؤدي إلى زيادة إنتاجية العامل، وحسن إدارة المنشأة من قبل صاحب العمل، وتعزيز الثقة بين الأطراف ذات العلاقة". في إطار "متطلبات هذه الأخلاقيات"، طالب الدليل أصحاب المؤسسات "بتشجيع روح المبادرة والابتكار وتوفير فرص للعاملين للمشاركة في تقديم الاقتراحات المتعلقة بتحسين الخدمات وتطوير العمل في جو من الثقة المتبادلة والفهم المشترك".


وفي وثيقة دولية مماثلة للدليل الاسترشادي سابق الذكر، هي وثيقة "مبادئ سلوك الموظفين" في "منظمة العمل الدولية ILO"، الصادرة عام 2009، ورد التالي في إطار المبادئ المهنية: "الإصرار على حل المشكلات والتحديات الصعبة". والمعنى هنا هو عدم الاستسلام للأساليب المهنية التقليدية في حال عجزها عن حل المشكلات، بل المضي قدما و"الخروج من الصندوق" في البحث عن أفكار جديدة مبتكرة تؤدي إلى حلها. ويتوافق هذا الأمر مع مرئيات المبتكر الشهير "توماس أديسون Thomas Edison" الذي يقول "إن كثيرا من إخفاقات الناس في حل المشكلات، على الرغم من الجهود التي يبذلونها، ناتج عن عدم ملاحظة مدى اقترابهم من الحل، عندما يهجرون الإصرار على إيجاد الحل المنشود". ويقول أيضا: "للعبقرية 1 في المائة، وللإصرار 99".
تلقى مسألة "الابتكار في المؤسسات" اهتماما متزايدا، حيث برز تعبير يصف هذا الابتكار "بالمنهجي Systematic".

 

والمعنى هنا هو أن أي مؤسسة تستطيع تفعيل "الابتكار" فيها عن طريق تحديد "طريقة منهجية تتكون من خطوات متسلسلة يؤدي اتباعها إلى الحصول على مبتكرات" تعزز عطاء هذه المؤسسة وترفع مكانتها التنافسية، وتزيد قدرتها على النجاح". ولعل بين أبرز من تبنى فكرة "الابتكار المنهجي"، "اللجنة الأوروبية للمواصفات المعيارية CEN" التي تضم في عضويتها هيئات المعايير في "33 دولة أوروبية". فقد كلفت هذه اللجنة إحدى لجانها الفنية، وتدعى "لجنة إدارة الابتكار IM" بوضع معايير "للابتكار المنهجي". وتم تحديد الغاية الرئيسة لهذه المعايير على أنها "إرشاد المؤسسات إلى كيفية تقديم وتطوير والمحافظة على إطار عمل يقوم بإدارة الابتكار المنهجي فيها". وقد دعي إطار العمل هذا، كما يشير دوره، "بنظام إدارة الابتكار IMS". وعلى هذا الأساس يكون على كل مؤسسة أن تبني مثل هذا النظام من أجل تطوير معطياتها.


أصدرت اللجنة أول وثيقة من وثائق معاييرها عام 2013، وكانت تحت عنوان "نظام إدارة الابتكار IMS". ثم توالت إصدارات اللجنة، حيث أصدرت على مدى العامين التاليين ست وثائق أخرى حددت فيها معايير تفصيلية لنظام إدارة الابتكار. وتضمنت عناوين هذه الوثائق التالي: "إدارة استراتيجية الابتكار؛ والتفكير الابتكاري؛ وإدارة حقوق الملكية الفكرية؛ وإدارة التعاون؛ وإدارة الإبداع؛ وتقييم إدارة الابتكار". وانتشرت هذه الوثائق في مختلف أنحاء الدول الأعضاء في "اللجنة الأوروبية CEN". وقد بدأت "المنظمة الدولية للمواصفات المعيارية ISO" اهتمامها بوضع "معايير لنظام إدارة الابتكار المنهجي" هذا العام 2019، حيث أصدرت وثيقتين حول الموضوع هما: "وسائل وطرق الشراكة في الابتكار؛ وإرشادات لتقييم إدارة الابتكار". ولعلنا نعود إلى مزيد حول "معايير الابتكار" في مقالات قادمة بإذن الله.


ويبرز هنا تساؤل مهم يقول "إذا كانت وثائق معايير الابتكار المنهجي سابقة الذكر متاحة لجميع المؤسسات، فإن جميع المؤسسات تستطيع اتباعها والاستفادة منها، لتبقى الحالة التنافسية فيما بينهما دون تغيير، فأين الفائدة؟". وللإجابة عن هذا التساؤل جانبان. الأول يقر بصحة ما طرحته مقدمة التساؤل، لكنه يضيف إليها أن جميع المؤسسات ستستفيد من المعايير في تطوير حالتها الفعلية، على الرغم من احتمال بقاء حالتها النسبية تجاه المؤسسات الأخرى بدون تغيير. أما الجانب الثاني من الإجابة، فهو أن مستوى تطبيق المعايير، والابتكار في هذا التطبيق، سيعطي فروقا جديدة بين المؤسسات، عمادها مرة أخرى "تفعيل الابتكار"، لكن على مستوى يجب أن يكون أكثر تقدما.


لم يعد الاهتمام "بالابتكار" وجعله "منهجيا" في المؤسسات يمثل تميزا خاصا بهذه المؤسسة أو تلك، بل بات قاسما مشتركا بين جميع المؤسسات، وعلى المؤسسات التي لم تبدأ بهذا الاهتمام أن تقوم بذلك دون تأخير. وهكذا تبقى الحالة التنافسية للمؤسسات خاضعة لمستوى "جودة الابتكار وجودة إدارته"، وتفعيل "إمكانات الإنسان" ورعاية عطائه والاستثمار فيه.

إنشرها