FINANCIAL TIMES

مهمة صعبة تنتظر خليفة دراجي

فاجأ ماريو دراجي أخيرا عديدا من الأشخاص، بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عندما لمح إلى مزيد من التخفيف في السياسة النقدية. لكن التعليق الذي عددته أكثر أهمية هو طلب رئيس البنك المركزي الأوروبي وضع ميزانية مشتركة لمنطقة اليورو باعتبارها أداة إضافية لامتصاص الصدمات الاقتصادية.
هذا يعد مطلبان مطويان في مطلب واحد: وجود ميزانية لمنطقة اليورو ومكون دوري. وافق وزراء المالية الأوروبيون على مضض على نسخة صغيرة من الطلب الأول، لكن ليس الأخير. تبلغ الميزانية التي يجري النظر فيها حاليا 0.01 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو. تريد الدول الأعضاء، باستثناء إسبانيا، أن تكون الميزانية هيكلية بحتة - لمساعدة البلدان التي لديها إصلاحات اقتصادية. وترفض أغلبية الدول بشكل قاطع أي أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. بالتأكيد لا يمكنك تحقيق الاستقرار في اقتصاد ما مع نسبة 0.01 في المائة من أي شيء كان. لذلك عندما يطالب دراجي بوضع أداة لتحقيق الاستقرار المالي، فهذا يعد مشكلة كبيرة للغاية.
فضل محافظو البنوك المركزية الأوروبية، سرا، مثل هذه الأداة لفترة من الزمن، لكنهم ابتعدوا بحكمة عن هذا النقاش السياسي. قرر دراجي أخيرا قول الحقيقة للسلطة كهدية رحيل. سيتجاهلونه، بالتأكيد، لكنه محق. فبدون هذه الميزانية، سيجد البنك المركزي الأوروبي صعوبة أكبر في فعل "كل ما يتطلبه الأمر" - العبارة التي استخدمها في عام 2012 فيما يتعلق بإنقاذ منطقة اليورو.
يعد هذا التدخل مطلبا غير ملائم لقادة الاتحاد الأوروبي في البلدان التي ينحصر فيها النقاش حول منطقة اليورو برمتها في التعامل مع الانضباط المالي، وحيث يخلط السياسيون والاقتصاديون بين مطلب معقول بوجود ميزانية لمنطقة اليورو ومطلب غير معقول بوجود مدفوعات تحويلية عبر البلدان. هناك جزء آخر من النقاش الذي يجري في ألمانيا هو الإدانة الواسعة للسياسات النقدية للبنك المركزي الأوروبي.
لا يرغب قادة الاتحاد الأوروبي في التطرق للاستقرار المالي لأنه يثير جميع أنواع المناقشات اللاحقة المزعجة. ستتطلب الميزانية الكبيرة في النهاية سندات منطقة اليورو - أصول آمنة. عندها ستفقد ديون الحكومات الوطنية مكانتها السيادية العزيزة ويعاد تصنيفها ديونا شبه سيادية. سيعتمد البنك المركزي الأوروبي بدرجة أقل على السندات الوطنية في عمليات السياسة النقدية، وسيعتمد بشكل أكبر على ديون منطقة اليورو. وقد يجعل ذلك من السهل على الدول الأعضاء أن تتخلف عن السداد، وقد يكون من الصعب جمع ديون جديدة.
من شأن تحقيق الاستقرار المالي أن يقلب كل ما عرفناه عن منطقة اليورو رأسا على عقب: قواعد الاستقرار والإجراءات القانونية والأهم من ذلك كله المعتقدات الأيديولوجية حول ما ينبغي أن تفعله السياسات النقدية والمالية والطريقة التي يتعين أن تتفاعل بها.
التاريخ علمنا أن قادة الاتحاد الأوروبي لا يقدمون على أي تصرف أبدا ما لم يواجهوا أزمة - وحتى ذلك الحين غالبا ما تكون تصرفاتهم غير كافية. التوقع الوحيد الذي أنا على استعداد أن أقدمه هو أن الأزمة الوجودية التالية في منطقة اليورو ستقع خلال ثمانية أعوام من رئاسة الرئيس الذي سيخلف دراجي. ليس لدي أي فكرة عمن سيتولى الرئاسة بعده. ولا أعتقد أن هذا هو السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لمنطقة اليورو في الوقت الحالي. الإنجاز العظيم الذي حققه دراجي هو إنقاذ منطقة اليورو. لكن سيكون من المغالطة المنطقية جعل "عقلية الإنقاذ" جزءا من الوصف الوظيفي.
السؤال الذي يجب أن يطرحه زعماء الاتحاد الأوروبي ليس ما إذا كان ينبغي لخليفة دراجي أن يكون رجلا قصيرا من الشمال، أو امرأة فارعة الطول من الشرق. عليهم بدلا من ذلك التركيز على ما يمكنهم المساهمة به لتمكين رئيس البنك المركزي الأوروبي المقبل من التصرف كما فعل دراجي في عام 2012.
لقد أنقذ دراجي منطقة اليورو من هجوم مضاربة شامل عن طريق وضع برنامج لعمليات شراء سندات غير محدودة. هذا الضمان، المعروف أيضا باسم المعاملات النقدية المباشرة، كان معدا خصيصا للوضع في ذلك الوقت. كان غير محدود بالفعل، بيد أن النقاش يغفل في كثير من الأحيان حقيقة أنه كان مشروطا أيضا. في عام 2012، ماريو مونتي، التكنوقراطي غير الحزبي والمفوض الأوروبي سابقا، كان رئيسا للوزراء في إيطاليا وكان مدعوما من تحالف كبير فعلي من أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط. إذا كانت الحكومة الإيطالية اليوم، ذات الطابع المختلف تماما، ستثير أزمة مالية بعجز يخرق القواعد أو عملة موازية، فلن تكون المعاملات النقدية المباشرة مجدية. لا يمكن للبنك المركزي الأوروبي فقط أن يقرر شراء السندات الإيطالية.
سيكون لرئيس البنك المركزي الأوروبي المقبل مهمة صعبة. انفصلت توقعات التضخم عن الهدف ولم يتبق لدى البنك كثير من الذخيرة. من الناحية النظرية يمكن للبنك المركزي الأوروبي شراء ديون حكومية أخرى بقيمة تريليوني يورو. لكن هذا الأمر سيزداد صعوبة بشكل تدريجي. لا يوجد كثير من السندات الألمانية والهولندية والفنلندية المتاحة للشراء هذه الأيام. أحد الأسباب الكثيرة وراء طلب منطقة اليورو لأصول آمنة هو إعطاء البنك المركزي الأوروبي شيئا يشتريه.
سنعرف أن منطقة اليورو قد وصلت أخيرا إلى مرحلة الاستدامة المالية عندما يمكن لقادة الاتحاد الأوروبي تعيين محافظ بنك مركزي سيئ بأمان. من السابق لأوانه اختبار هذا الاقتراح، لكن حان الوقت لفعل كل ما يلزم لجعل مثل هذه التجربة ممكنة في المستقبل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES