حوكمة العمل الخيري .. مبادرة أكثر من رائعة

|


ينطلق العمل الخيري من شعور إنساني نبيل ومحبة للآخرين، ويرتبط بشعور الإيثار لدى الإنسان. وفي مجال تطوير العمل الخيري، تستحق وزارة العمل والتنمية الاجتماعية ثناء عطرا على وضعها نظاما جديدا يحدد أربعة معايير لحوكمة عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في المملكة والبالغة 955 جمعية ومؤسسة، مع إيجاد برنامج مكثف تحت إشراف الوزارة للجمعيات غير الملتزمة بالمعايير الجديدة، إضافة إلى تنظيم دورات وبرامج تطوير وتدريب لمنسوبي الجمعيات الخيرية. وعلى أية حال، تتمثل المعايير الأربعة فيما يلي:
(1) السلامة المالية، لقياس كفاءة الجمعية في إنفاق المال وعدم ارتفاع النفقات الإدارية والتشغيلية، ومدى استدامة مواردها، وكفاءة أنظمتها الداخلية للحماية من الممارسات الخاطئة.
(2) الامتثال والالتزام بنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ولائحته التنفيذية، وكذلك نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله، ونظام مكافحة غسل الأموال، كذلك قياس مدى التزامها بمبادئ وممارسات الحوكمة الرشيدة.
(3) الشفافية والإفصاح، من خلال نشر القوائم المالية، ونشر أسماء القائمين على الجمعية من أعضاء مجلس الإدارة والتنفيذيين عبر موقعها الإلكتروني، إضافة تقرير سنوي شامل.
(4) جودة العمل، وقد وضعت الوزارة أدلة تعريفية توضح للجمعيات كيفية تحقيق متطلبات معيار الجودة. لا يمكن أن يقال عن هذا التطور، إلا أنه قفزة كبيرة جدا لتطوير العمل غير الريعي ورفع مستوى أداء الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الربحية.
وتجدر الإشارة إلى أن الجمعيات والمؤسسات التي لا تلتزم بهذه المعايير ستتحمل مزيدا من الإشراف والمتابعة والتدريب، في حين ستحصل الجمعيات، التي تحقق المعايير على مزيد من الدعم للتوسع في برامجها وأنشطتها.
في الحقيقة، لقد طال انتظار مثل هذا التقييم والإشراف والمتابعة والمعايير، خاصة أن بعض الجمعيات ومؤسسات العمل غير الربحي تفتقر إلى الشفافية، وإلى وجود برامج مدروسة تحدد احتياجات المجتمع المحلي وتقيس فاعلية الأعمال المقدمة في تحقيق أهدافها. لذلك فإن تحقيق هذه المعايير الأربعة سيزيد من ثقة المواطنين ورجال الأعمال في هذه المؤسسات، ما سينعكس على زيادة التبرعات والهبات، خاصة مع تزايد عدم الثقة بالمتسولين الذين يعمل بعضهم لمصلحة جهات إرهابية كالحوثيين وغيرهم، وأهم من ذلك سينحسر الهدر وسينكمش الفساد، ومن ثم ستزداد فاعلية الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الربحية. بعد الشكر للوزارة والوزير على هذه المبادرة، أقترح أن تقوم الوزارة بإجراء دراسة تقويمية "مستقلة" للعمل الخيري وغير الربحي في المملكة للكشف عن الهدر في العمل الخيري ومدى فاعلية الجمعيات والمؤسسات في هذا المجال باستخدام المؤشرات والمعايير الدولية المعروفة مثل نسبة النفقات الإدارية والتشغيلية من إجمالي ميزانية مؤسسات العمل غير الربحي. وفي هذا السياق، لعل الوزارة تقوم بتحديث أطلس الجمعيات الخيرية وتوسيع محتواه ليشتمل على إحصاءات عن الجمعيات الخيرية وميزانياتها وعدد المستفيدين منها، إلى جانب عدد العاملين فيها. وكما يقول بيتر دركر Peter Drucker، "إذا لم تستطع قياسه، لا تستطيع تحسينه وتطويره" If you can't measure it, you can't improve it، لذلك أقترح وضع نظام آلي متكامل لحساب تكاليف استقطاب التبرعات والهبات، وكذلك تكاليف التشغيل والإدارة، ومن ثم تحديد نسبة ما يوجه وينفق على البرامج والمستفيدين، فينبغي معرفة تكلفة الحصول على التبرع، ثم تكاليف إدارته وإنفاقه على البرامج والأنشطة الخيرية. فلو افترضنا أن جمعية ما تمكنت من الحصول على 1000 ريال من مصادر التبرع المختلفة، فإن المطلوب هو معرفة المبلغ النهائي الذي ينفق فعلا على برامج الجمعية ويصل إلى المستفيدين، وذلك بعد خصم تكاليف استقطاب الدعم، وكذلك تكاليف التشغيل والإدارة.
هناك حاجة أيضا إلى توسيع وتنويع برامج وأنشطة العمل الخيري ليشمل البحث العلمي والمحافظة على البيئة والتعليم والتدريب والثقافة وبناء القدرات، إلى جانب الخدمات الاجتماعية والإسكان ونحوها. كما أنه من المناسب النظر في وضع حوافز لمنشآت القطاع الخاص لتقديم مزيد من التبرعات من خلال إعفاءات من الضريبة بما يعادل نصف قيمة دعم الجمعيات والمؤسسات غير الربحية. وفي الختام أدعو الله أن يكلل جهود الوزارة بالنجاح تحت قيادة وزيرها المتألق.

إنشرها