تقارير و تحليلات

بعد نجاح سندات اليورو .. القارة الآسيوية مهيأة للاكتتاب بإصدارات سعودية مقومة بعملاتها

أظهرت إحصائية المكتتبين في إصدار السعودية من السندات المقومة باليورو، أن المملكة تمكنت من إنشاء قاعدة مستثمرين وفية من القارة الآسيوية، في إشارة تعكس عمق الروابط السياسية والاقتصادية بين الدول الآسيوية والسعودية، وكذلك في خطوة تمنح "مكتب الدين العام" مؤشرا آخر وهو أن المجتمع المالي هناك بات أكثر من أي وقت مضى مهيأ للاكتتاب في أي إصدار سعودي مقوم بإحدى العملات الآسيوية.
ويأتي ذلك الدخول اللافت للمحافظ الآسيوية على الرغم من أن عملة اليورو لا تعد إحدى العملات الرئيسة للبلدان الآسيوية.
ويظهر رصد "الاقتصادية" أن السعودية كانت على الدوام منذ إنشاء برنامج استدانتها على الساحة الدولية تعطي إهتماما متزايدا لقاعدة المستثمرين التي أنشأتها هناك منذ 2016، بعدها جاء إصدار اليورو الذي أظهر وجود ولاء عال للأوراق المالية الصادرة من الحكومة السعودية.
وأصبح الآسيويون على قدم المساواة مع نظرائهم من الولايات المتحدة بعد وصول المعدل المتوسط للتخصيص إلى 8 في المائة، في تأكيد لمسح "الاقتصادية" لإحصائيات التخصيص لإصدارات أدوات الدين الخليجية التي أظهرت زيادة لافتة للوجود الآسيوي في الأوراق المالية المقومة بالدولار.

دعم الشرق التاريخي
تتميز القارة الآسيوية باحتضانها كبرى شركات الـتأمين الإقليمية، التي تبني استراتيجيتها في أسواق الدخل الثابت بالاستثمار في آجال الاستحقاق الطويلة، إذ أظهر الرصد استحواذ فئة "شركات التأمين مع صناديق التقاعد" على 26 في المائة من السندات العشرينية "المقومة باليورو".
وحل الآسيويون "مع شريحة 20 سنة" في المرتبة الثالثة "بالمشاركة مع إيطاليا" أكثر فئة جغرافية حصلت على أعلى تخصيص بنسبة 11 في المائة، وجاءت خلفهم الولايات المتحدة بنسبة 10 في المائة.
وفي مدينة تايبيه، على سبيل المثال، يوجد كبار المستثمرين المؤسساتيين من شركات التأمين، إذ تظهر البيانات التاريخية أنه عندما أرادت السعودية تقديم ملفها الائتماني لأول مرة في يوليو 2016 "قبل أن تبدأ جولتها التسويقية لباكورة سنداتها"، قامت بالبدء من "الشرق" وبعدها تحركت نحو "الغرب".
وأسهمت تلك الاستراتيجية في جعل المستثمرين الآسيويين "الذين تم الاجتماع بهم في تايبيه" بأخذ الوقت الكافي لدراسة السجل الائتماني للقادم الجديد لساحة أدوات الدين العالمية.
وعندما حانت اللحظة الحاسمة للتسعير النهائي للإصدار، كانت المحافظ الآسيوية داعما كبيرا لأول سندات دولية في تاريخ المملكة.
وتظهر نشرة إصدار سندات "أرامكو" عمق الروابط مع القارة الآسيوية في مجال الطاقة، إذ تستحوذ القارة على 71 في المائة من إجمالي صادرات النفط السعودي، وتلك الروابط تعززت عبر المشاريع المشتركة لمصافي النفط التي ابتدأتها "أرامكو" في القارة الآسيوية منذ أكثر من عشر سنوات، ويتم عبر تلك الشراكات شراء النفط السعودي.
وكانت وزارة المالية ذكرت في بيان لها أن إجمالي الطرح بلغ ثلاثة مليارات يورو "ما يعادل 12.70 مليار ريال"، مشيرة إلى أن الطرح مقسم على شريحتين، مليار يورو "ما يعادل 4.2 مليار ريال" لسندات 8 سنوات استحقاق عام 2027، ومليارا يورو "ما يعادل 8.4 مليار ريال" لسندات 20 سنة استحقاق عام 2039.

عقود مقايضة اليورو بالدولار
كشف رصد "الاقتصادية" الخاص بإصدارات الدول في الأسواق الناشئة، أن بعض الاقتصادات التي تربط عملتها بالدولار ولا يكون لديها التزامات قائمة باليورو، تقوم بالاستعانة بعقود تسمح باستبدال متحصلات إصدار السندات المقومة باليورو إلى عملة الدولار، في خطوة تقود إلى ارتفاع تكاليف الإصدار.
حتى الآن لم يكشف مكتب الدين العام عن منهجيته الخاصة بكيفية مواجهة تحديات الانكشاف على عملات غير الدولار أو الريـال، إلا أن أحد المصرفيين في البنوك التي رتبت إصدار اليورو للسعودية، أكد لصحيفة "جلوبل كابيتال" البريطانية "أن السعودية لديها التزامات باليورو ولن تدخل في عقود استبدال عملة اليورو" "القادمة من متحصلات الإصدار" بعملة الدولار المعروفة بـ euro-dollar swap".
"الاقتصادية" بدورها استفسرت من مكتب الدين العام حول حقيقة وجود "التزامات يورو" للسعودية، إلا أن المكتب فضل عدم التعليق، لكن في الوقت نفسه لم ينف.
وفي الوقت نفسه، أكد للصحيفة أحد المصادر القريبة من البنوك المرتبة للإصدار السعودي أنه بشكل عام، فإن بعض "الجهات السيادية لا تقوم بمقايضة اليورو بالدولار، وذلك بسبب وجود انكشاف قائم - أي التزامات - لدى صناديق الثروة السيادية الخاصة بتلك الدول أو الجهات الحكومية الأخرى".
ويظهر تحليل "الاقتصادية" أن وجود "التزامات liabilities لليورو" مماثلة لحجم إصدار سندات اليورو، يعد أمرا إيجابيا لثلاثة أسباب، أولها أن ذلك يعد بمنزلة التحوط الطبيعي، نظرا إلى تجنيب المملكة مخاطر أسعار الصرف بين اليورو والدولار "لوجود تدفقات نقدية باليورو من جراء الالتزامات التي أنشأتها السعودية".
في حين يكمن الأمر الثاني في أن عدم الاستعانة بهذه العقود يعني حدوث وفرة في تكاليف الإصدار، إذ إن إيجاد التزامات باليورو يعني أن تلك الالتزامات قد تكون على شكل استثمارات متوقعة للحكومة "أو صناديقها" في القارة الأوروبية أو مدفوعات مقومة لليورو أو حتى مشاريع.

صعود ملحوظ للمستثمر الآسيوي
أظهر رصد حديث على إصدارات أدوات الدين السعودية والخليجية "المقومة بالدولار" زيادة ملحوظة في نسبة التخصيص للمستثمر الآسيوي، وتعود زيادة الشهية الآسيوية هذه السنة إلى ثلاثة عوامل، أولها الصعود الملحوظ لأسواق الدخل الثابت في منطقة الخليج في السنوات الثلاث الأخيرة على صعيد إصدارات الأسواق الناشئة، فضلا عن توجه بعض المُصدرين من المنطقة نحو إصدار أدوات دين مقومة بالعملات الآسيوية.
أما العامل الثالث، فقيام جهات الإصدار بإضافة عدد أكبر من المعتاد للمدن الآسيوية خلال جدول الجولة الترويجية "ليصبحوا أكثر قربا للمستثمر المؤسسي الآسيوي".
وجرت العادة أن يتم تسويق أدوات الدين الخليجية في الأغلب للمستثمر الأمريكي والأوروبي "مع الاكتفاء بمدينة آسيوية وحيدة خلال الجولة الترويجية للإصدارات"، إلا أن الإصدارات الأخيرة شهدت "نموا جوهريا" في أحجام اكتتابات المستثمر الآسيوي. فعند رصد أحجام التخصيص في السنوات الماضية يتضح أنه - تاريخيا - تصل حصة المستثمر الآسيوي في الإصدارات الخليجية بين 5 و10 في المائة، إلا أن الأمور تبدلت بعد 2019 عندما قفزت تلك النسبة بين نطاق 17 و37 في المائة، وذلك وفقا لسبعة إصدارات، تمت في الأشهر الستة الأولى لهذه السنة، أي بزيادة تلامس أربع مرات للحجم المتوسط للتخصيص، مقارنة بأرقام التخصيص السابقة.

مزاحمة المستثمرين
لم يكتف المستثمر الآسيوي بمزاحمة نظيره الأوروبي أو أولئك القادمين من الولايات المتحدة على الأوراق المالية الصادرة من الشركات السعودية والإماراتية، بل امتد أثرهم في المستثمر الخليجي الذي يستحوذ برفقة آخرين من الشرق الأوسط، في العادة على نسبة تخصيص بين 45 و51 في المائة من أحجام إصدارات الصكوك القادمة من المنطقة.
ومع صكوك ماجد الفطيم الخضراء، وصلت نسبة التخصيص إلى 32 في المائة، وفقا للبيانات الصادرة من البنوك التي رتبت الإصدار "بعد استحواذ الآسيويين على نسبة 27 في المائة".

البداية من المشرق
كانت سندات بنك المشرق الإماراتي أول إصدارات هذه السنة التي لفتت فيها نسبة التخصيص "27 في المائة" للمستثمر الآسيوي الأنظار، إذ أعاد نجاح "بنك المشرق" رسم كيفية تسويق الإصدارات الخليجية في المدن الآسيوية.
ويتضح عند الاستشهاد بالاستراتيجية التسويقية لسندات "أرامكو"، أنها اشتملت على ثلاث مدن آسيوية، لذلك استحوذت منطقة آسيا والمحيط الهادئ على نسبة عالية من التخصيص وصلت إلى 19 في المائة مقارنة بـ17.5 في المائة مع الإصدار السعودي السيادي من السندات الذي تم أوائل هذه السنة.

إصدارات بالعملات الآسيوية
شهدت السنة الماضية نموا لافتا في أعداد المؤسسات الخليجية التي تتجه إلى السوق الآسيوية من أجل إصدار سندات مقومة بالعملتين الصينية واليابانية. ووفقا لبيانات "بلومبيرج"، فإن إجمالي إصدارات الخليجيين بالعملات الآسيوية بلغ 2.3 مليار دولار، مقارنة بأقل من 600 مليون دولار في 2017.
وهذه الإحصائية لا تظهر حجم قيمة "سندات الفورموسا" التي أصدرتها المؤسسات الخليجية في تايوان، وذلك بسبب أن تلك الإصدارات مقومة بالدولار الأمريكي.
ولوحظ أن مستقبل الإصدارات الخليجية سيكون في السوق الصينية، التي تعد ثالث أكبر سوق للسندات العالمية بعد الولايات المتحدة واليابان، فجهات الإصدار الخليجية أصدرت ما يصل إلى 1.6 مليار دولار من السندات المقومة بعملة اليوان "إمارة الشارقة كانت أول جهة خليجية تصدر سندات الباندا في السنة الماضية".
وبالنسبة إلى سندات الساموراي اليابانية، فتاريخيا حازت تلك الإصدارات على اهتمام الدول العربية، بسبب قيام الحكومة اليابانية بضمان تلك الإصدارات عبر مؤسساتها التنموية، ما أسهم في تخفيض نسبة الفائدة التي تدفعها الدول العربية للمستثمرين.
ولعل أبرز أسباب الإصدار بعملة أجنبية، تنويع قاعدة المستثمرين واقتناص فرص انخفاض تكلفة التمويل مقارنة بالإصدارات الدولارية.

* محلل أدوات الدين والائتمان
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات