هل العالم بحاجة إلى نظام اقتصادي جديد؟

|


تحدثنا في الأسبوع الفائت عن تيار حديث وقوي في الدراسات الأكاديمية والمراكز البحثية يرى أن الرأسمالية لم يعد في إمكانها الاستجابة إلى متطلبات العصر الحديث وأنها صارت عبئا ثقيلا آن أوان إزاحته.


وهذه الدراسات تختلف جذريا عن سابقاتها التي كانت غايتها الانتقاص من الرأسمالية فقط وتبيان عيوبها دون تقديم خطط أو خيارات أو نماذج اقتصادية جديدة كي تحل محلها.


وتبين أغلب هذه الدراسات أن هناك حاجة ملحة لنظام اقتصادي جديد وخطط اقتصادية جديدة تؤدي إلى بروز مجتمعات أكثر عدالة ومساواة، تقطف فيها الأكثرية ثمار النمو الاقتصادي وتكون أقل استغلالا وأقل تدميرا للمجتمع والكرة الأرضية.


ولم يعد أمر البحث عن نظام اقتصادي جديد كي يحل محل النظام الرأسمالي الحالي مقتصرا على الدوائر الأكاديمية والبحثية. البحث العلمي يقدم التنظير ويضع سيناريوات محتملة للتطبيق.

بيد أن ممارسة النظرية تتطلب قرارات من مؤسسات سياسية واقتصادية ذات شأن.


وبدأنا نلاحظ كيف أن الاعتراف بأن الحاجة قائمة لنظام اقتصادي جديد صار مطلبا يلح عليه بعض المسؤولين في الأحزاب اليمينية من التي كانت حتى الآن لا ترى النعمة إلا في الرأسمالية والسياسات النيوليبرالية التي تتبعها.


وما شد من عزم المناوئين للرأسمالية الاستمرار في مقاومتهم كان وقوف مؤسسات مالية عالمية مؤثرة إلى جانبهم وتأييد مواقفهم، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصناديق الاستثمار العالمية.


ويبدو أن الرأسمالية جنت على نفسها وسهلت مهمة الباحثين عن خطط لتقويمها أو بالأحرى الاستغناء عنها إن أمكن.

لن يكون بمقدور أي دراسة أكاديمية رصينة حول النظم الاقتصادية غض الطرف عن الأزمة المالية لعام 2008 وكيف أن الحكومات أخذت تتدخل بشكل لا يصدقه العقل الرأسمالي لإيقافها.


قدمت هذه الأزمة دليلا قاطعا أن الرأسمالية، عكس ما يروجه مناصروها، نظام غير محصن وأن فرص انهياره وفشله أكثر من فرص بقائه مستديما.


وبرهنت كذلك أن الحكومات التي تتبع النظم الرأسمالية لا تملك الوسائل ولا المقدرة للتدخل وتغيير النهج الذي يسير عليه الاقتصاد.


بمعنى آخر، أن الرأسمالية في طريقة تعاملها مع هذه الأزمة، خرقت لا بل فضحت الصراط الذي كان الرأسماليون والنيوليبراليون يرونه مستقيما وغير قابل للطعن.


وما يبعث الاطمئنان في نفوس المعارضين للرأسمالية هي الشكوك التي بدأت تحوم حولها كنظام اقتصادي مجد للقرن الحادي والعشرين في عقر دارها، أي في أمريكا وبريطانيا الدولتين اللتين تعدان من أكثر دول العالم رأسمالية.


في الحقيقة إن هاتين الدولتين تشكلان اليوم نموذجا صارخا لما يراه معارضو الرأسمالية للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بهاتين الدولتين.


وفي هاتين الدولتين بالذات نلاحظ بروز شبكة متجانسة وقوية ومؤثرة من المفكرين والعلماء الذين انتهزوا الفشل الذي أخذ يرافق النظام الاقتصادي الرأسمالي بعد الأزمة المالية الكبيرة لعام 2008.


وعلى الرغم من أن التيار هذا محسوب على اليسار السياسي، إلا أنه يلقى الدعم من بعض اليمين الأكاديمي والسياسي غايته معالجة العيوب التي أخذ النظام الرأسمالي يفرزها ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين، ليس في سبيل الهجوم وإظهار المساوئ كما كان الحال في السابق، بل لتنظير وتفسير وتحليل الطرق العملية لتقديم نموذج أفضل.


ولأول مرة، يتجرأ العلماء والباحثون وعلى الملأ إثارة أسئلة كانت شبه محرمات في السابق من خلال العودة إلى الأسس التي يبنى عليها أي اقتصاد. يحث العلماء والباحثون في سردياتهم ليس أقرانهم وحسب بل الإعلام والناس العاديين لمعرفة ما هي مصادر الاقتصاد ومن يملكها وإن كان له الحق في ذلك؟


ولا تقتصر أسئلتهم وسردياتهم على الاقتصاد الشامل أو الجمعي. لهم خطط لإلقاء الضوء على الاقتصادات الصغيرة من شركات ومشاريع لمعرفة أين تكمن السلطة واتخاذ القرار في الشركات ومدى تأثير ذلك في الناس والمجتمع.


السردية التقليدية للاقتصاد تترك مسائل مثل هذه في حالة غموض شديد لأن هم الاقتصاد الرأسمالي ينحصر في خدمة مالكي السلطة والمال.


الخطط التي يتبناها ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "الاقتصاد اليساري" لن تروق للنيوليبراليين وسيعملون وسعهم لمقاومتها، لأنها تدعو صراحة لإعادة توزيع السلطة الاقتصادية كي يكون لكل فرد شأن فيها بدلا من حصرها في أياد قليلة كما هو الوضع في نظام ديمقراطي صحي حيث لكل فرد صوت في انتخاب السلطة.


ويشبه البعض مسألة توزيع السلطة في الاقتصاد السياسات التي اتبعتها الحكومات في القرن التاسع عشر في وضع حد لاستئثار الإقطاع بالزراعة والأراضي الزراعية واستغلال الفلاحين.


وهكذا، يدعو النظام الاقتصادي الجديد، الذي صار مطلبا جماهيريا تقريبا، أن يكون للعمال والمستخدمين حق ملكية جزء من الشركات التي يعملون فيها.


وكذلك يحث النظام الجديد الحكومات المحلية على إعادة هيكلة اقتصاد مدنهم أو مقاطعاتهم ضمن الدول الرأسمالية لمنح أفضلية للمشاريع الوطنية والمحلية على حساب الشركات الكبيرة.


كل هذا لا يزال ضمن نطاق البحث والتمحيص، بيد أن هناك بوادر على مستويات مختلفة للأخذ به أمام ما يراه البعض الفشل المدوي للرأسمالية في تلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين.

إنشرها