العناية اللازمة والإهمال الجسيم

|


إذا كنت تريد قياس تطور المعايير، التي تقود مهنتك، أيا كانت، فانظر إلى تعريف ومقومات العناية اللازمة، التي تلزمك بها وانظر إلى أمثلة الإهمال الجسيم، التي تحذرك منها. تعرفت على مفهوم "العناية المهنية اللازمة" حين درست المحاسبة لأول مرة، ثم اكتملت الفكرة بعد التعرف على مفهوم "الإهمال الجسيم" في مادة القانون التجاري Business Law، حيث إن الإهمال الجسيم لا يمكن إثباته إلا بعد التعرف على الحد الأدنى من العناية المهنية اللازمة، التي يجب أداؤها.

وهذا الأمر، حسب بحثي السريع ينطبق دون استثناءات على معظم المهن على وجه الأرض. ستجد الإشارة إلى هذه المسألة عندما يتأثر الأفراد بشكل مباشر من الأداء المهني، الذي يقوم به غيرهم من الأفراد المتخصصين، مثل الأطباء والأخطاء الطبية، والمهندسين وأخطاء البناء، ومراجعي الحسابات وأخطاء إبداء الرأي. والمثير هنا، أن وجود النية المسبقة لأداء العمل بطريقة سيئة أو الإضرار بالمستفيد منه ليس شرطا للحكم بالإهمال الجسيم والعقاب والتجريم.


تصنع التفاصيل القانونية الخاصة بكل مهنة متعلقة بتطبيق العناية اللازمة، وإثبات الإهمال الجسيم، حديثا ذا شجون، والتفصيل في هذه المسألة يدخل فيما هو موثق من معايير وأنظمة متعارف عليها، وفي تفاعل القضاء، الذي يختلف من دولة لأخرى، وفي مستوى الوعي القانوني المهني بشكل عام، لكنني سأترك هذه الجوانب للمختصين.

أود تحديدا التركيز على جانب مهم، وهو الجانب الإنتاجي والإداري للتعامل مع مفهوم "العناية المهنية اللازمة"، وكيف يؤثر هذا في جودة العمل، الذي نقوم به، ومقدار الرضا الذي نحصل عليه بعد القيام به.


من أمثلة الإهمال الجسيم، السائق الذي يسرع دون حذر في منطقة مكتظة بالعابرين، أو الطبيب، الذي يصف دواء يثير حساسية المريض مع أن التحذير من هذا الدواء مذكور في ملف المريض، أو مدير المدرسة الذي لا يحرص على معايير السلامة داخل المبنى المدرسي، ويتأذى طلابه تبعا لذلك.

ولو نظرنا إلى حياتنا لوجدنا كما هائلا من الأمثلة الأخرى، حفرا تتضرر بسببها السيارات تسبب فيها تقاعس المقاول عن التنفيذ الجيد أو المتابعة المستمرة، وتأخيرا في جدولة رحلات الطيران لا يعود لأسباب ليست خارجة عن الإرادة، ومعلما يصنع الأزمات النفسية لطلابه بحسن نية! ومقاولا يسبب التماسا كهربائيا يسبب بدوره حريقا في مبنى حديث.

بالطبع لا يثبت حكم الإهمال الجسيم هنا إلا بعد مراجعة أسس ومعايير العناية اللازمة في كل ممارسة من هذه الممارسات.


تستخدم فكرة العناية اللازمة في الأمن السيبراني، إذ إن العناية اللازمة تستلزم من كل منشأة أن تقدر المخاطر السيبرانية واحتمالية حدوثها، وتطبق سياسات ملائمة تتبعها إجراءات عملية للحد من هذه المخاطر، إذا حصلت محاولة اختراق، ولم تكن الشركة قد قامت بالعناية اللازمة، فهي معرضة، لأن يتم اتهامها بالإهمال الجسيم، الذي بالتأكيد لن يمكنها من الحصول على تعويض من شركات التأمين وربما كلف فريقها بعض التبعات القانونية.

تفصيل آخر جميل للعناية اللازمة نجده في معايير الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين، إذا ذكر المعيار "يجب على المراجع بذلك العناية اللازمة في جميع مراحل المراجعة وأن يقوم بتطبيق معايير المراجعة بدرجة من الحرص المتوقع من مراجع آخر مؤهلا تأهيلا مهنيا كافيا، ويجب على المراجع أن يكون على درجة كافية من الدراية بأمور المنشأة وظروفها" إلى أن يقول المعيار "يجب على المراجع الاستعانة بخبرة ومهارة الآخرين إذا تطلبت الأمور درجة من الخبرة والمهارة لا تتوافر لديه".

ولا تخلو بالطبع هذه المتطلبات من عامل التقدير، وهنا تكمن فرص التطوير والتحسين.


يجب أن نتعامل مع العناية المهنية اللازمة كمتطلب أساس للسلوك المهني، وليس كوسيلة لتفادي الوقوع في دائرة الإهمال الجسيم، وتفادي اتهامات الغير أو إحداث الضرر. فالعناية اللازمة لم تتطور لتصبح وسيلة دفاعية أو آلية لإدارة مخاطر المهنة، إنما أساسا يجب أن تكون عبارة عن إطار أو معايير توصيفية للأداء المهني المتوقع. كل عمل نقوم به له قواعد وأصول ويجب أن يكون الأداء مبنيا عليها.

تجاهلها لأننا لا نعرف ليس مبررا. تجاهلها لأنهم لم يدربونا عليها ليس مبررا مقنعا في كل موقف، فتعلم هذه المعايير بأسلوب ذاتي أمر يسير يمكن القيام به، ويجعل النتيجة بعد ذلك في تحسن ملحوظ في الأداء، يتبعه تقدير متنام للذات.

من لا يهتم بممارسة العناية اللازمة، سيجد نفسه ضعيف الأداء، قليل الرضا، مرتبكا ومشوشا مهنيا، وستمضي حياته المهنية وهو من عقبة لأخرى، ومن اصطدام لآخر.


عندما ننظر لتطور خدمات القطاع الخاص، والنمو المهني، الذي نمر به في الجانبين الحكومي والخاص معا، لا بد أن نرى مع ذلك قفزة في معايير الأداء في جميع المهن، خصوصا في مفهوم وممارسات العناية المهنية اللازمة.

لذا، أتمنى ممن لا يعرف أصول العناية المهنية اللازمة في مهنته أن يبادر بتعلمها، يتعرف عليها ويضيف إليها ويتحدث عنها.

إنشرها