بالتعليم تتحقق الإنجازات.. «إس - أويل» نموذجا

|

في زيارته كوريا دشن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، مع الرئيس الكوري مون جاي إن، مصفاة إس - أويل، التي- كما ذكرت الأنباء- تعادل 68 ملعب كرة قدم، ما يعني ضخامة المشروع، وتأتي قيمة هذا المشروع لارتباطه بمصدر مهم للدخل في بلادنا، إضافة إلى وجوده في دولة من دول قارة آسيا المستهلكة لجزء كبير من إنتاج المملكة من النفط، كما أن القيمة الأكبر تتمثل في أن تقنيتها قائمة على عدة تقنيات من بينها تقنية HS-FCC المطورة في مختبرات، ومعامل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وذلك على مدى 20 عاما من الدراسة، والبحث والتجريب ليشكل إنتاج المصفاة في مختبرات الجامعة برميلا واحدا في اليوم في البداية؛ لتحصل الجامعة على براءة اختراع لهذه التقنية.


بعد نجاح تجربة النموذج في صورته الأولية عقدت الجامعة تحالفا مع شركة أرامكو السعودية، ومع شركات عالمية لها باع طويل في التقنيات الخاصة بالبترول، ومن بينها شركة "اسكنس"، التي صممت عملية الإنتاج المبتكرة؛ ليبلغ إنتاج المصفاة 120 ألف برميل يوميا بعدما تم بيع التقنية على شركة إس - أويل الكورية التي أنشأت معملا ضخما لهذا الغرض.


ما من شك أن الخبر يفرح المواطن والمسؤول، وكذا المستفيد من إنتاج المصفاة، سواء الشركات أو الدول المستوردة للإنتاج. توقفت عند المدة الزمنية، التي استغرقها تطوير التقنية، التي بلغت 20 عاما، وقد يظن بعضهم أنها طويلة، لكن من خبر البحث العلمي، وتعقيداته الإدارية، والفنية، والتمويلية لا يستكثر المدة، خاصة أن التقنية مرتبطة بالنفط الثقيل، إضافة إلى محدودية مختبرات الجامعة، التي تعتمد في الأساس على كونها مختبرات تعليمية.


نسعد كثيرا بسماع، وقراءة خبر حصول باحث، أو جامعة من جامعاتنا على براءة اختراع في أي مجال من المجالات؛ لما في ذلك من تحقيق لمفهوم الاقتصاد المعرفي، الذي أصبح رافدا لاقتصاديات الدول المتقدمة، كما أن أي فكرة بحثية يتحقق من خلالها براءة اختراع تعطي مؤشرا على النجاح، الذي حققته الجامعات، ومؤسسات التعليم العالي في بلادنا.


كوريا مثلها مثل اليابان، وسنغافورة، وماليزيا، كانت دولة فقيرة متأخرة اقتصاديا، ومعرفيا، وتقنيا؛ نظرا لانعدام المصادر الطبيعية لديها، إلا أنها تمكنت خلال العقود الماضية من تطوير نفسها، وإعادة بنائها؛ بأخذها بزمام المعرفة، وذلك بتطوير منظومتها التعليمية، وهذا ما مكنها من بناء هذه المصفاة الضخمة المعقدة تقنيا.


تم اكتشاف النفط لدينا منذ أكثر من 70 عاما في زمن لم يكن لدينا نظام تعليمي رسمي، مع وضع اقتصادي صعب، ولم يكن متوقعا في تلك الفترة وجود طاقم سعودي إداري، وفني يقوم بأعباء ومهمات استخراج النفط؛ لذا تم الاعتماد على الخبرة الأجنبية تحديدا في شركة أرامكو الأمريكية لتتحول فيما بعد إلى شركة أرامكو السعودية؛ بعد ما وجدت الكفاءات السعودية المتخصصة. ومع هذا التوسع في منظومتنا التعليمية متمثلا في التعليم العام، الذي وصل جميع المناطق، والأرياف، وكذا التعليم العالي، ممثلا في الجامعات، والكليات التقنية، يمكن أن نسأل: متى نتمكن من صناعة جميع ما نحتاج إليه لاستخراج النفط، وتكريره، وتحويله إلى منتجات دقيقة كما تفعل الدول المستوردة له، والتي تصدر لنا منتجاتها المعتمدة على النفط؟!


تحقيق الهدف ليس مستحيلا، متى عدنا لمنظومتنا التربوية، وتعرفنا على إجاباتها، وسلبياتها، سواء ما له علاقة في المناهج، أو طرق التدريس، أو المعلم، أو البيئة التعليمية، التي تعاني كثيرا. الاهتمام بالعلوم الأساسية، كالرياضيات، والكيمياء، والفيزياء يمثل أساسا جوهريا في بناء العقول لتفكر بطريقة علمية تدرك من خلالها خصائص المتغيرات، وفهم كيفية عملها، والمقارنة بينها، ومن ثم تشكيل، وإبداع شيء جديد من هذه العناصر؛ حينها ندخل المسابقات العالمية في العلوم والرياضيات، لا لأننا دربنا أبناءنا على الإجابة عن الاختبار؛ بل لأنهم تعلموا كيف يفكرون بصورة علمية سليمة، يتحقق فيها المنطق، والموضوعية، وحسن الإدراك. النظام التعليمي الجيد والقوي تنعكس آثاره على الاقتصاد، والصناعة، والصحة، ومعالجة كثير من المشكلات البيئية والاجتماعية، فهل نحن مستعدون لفحص المنظومة التعليمية بصورة لا مواربة فيها؟!

إنشرها