مؤشرات أداء الاقتصاد للربع الأول 2019

|

اكتملت مؤشرات أداء الاقتصاد الوطني حتى نهاية الربع الأول 2019، بصدور مؤشرات الحسابات القومية مطلع الأسبوع الجاري، بلغ معها النمو الحقيقي للاقتصاد 1.7 في المائة (1.4 في المائة الربع الأول 2018)، ونمو القطاع الخاص بنسبة 2.3 في المائة (1.7 في المائة الربع الأول 2018)، وارتفعت بذلك مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 40 في المائة (39.8 في المائة الربع الأول 2018).


وبالنظر في التغيرات الهيكلية للاقتصاد خلال الفترة؛ سجلت النشاطات الثلاثة الرئيسة للاقتصاد معدلات نمو على الآتي: نمو سنوي للزراعة بنسبة 0.7 في المائة (0.3 في المائة الربع الأول 2018)، وتراجعت مساهمة النشاط في الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.3 في المائة (2.5 في المائة الربع الأول 2018). كما سجلت الصناعة نموا سنويا بنسبة 0.8 في المائة (0.8 في المائة الربع الأول 2018)، وارتفعت معه مساهمة النشاط في الناتج المحلي الإجمالي إلى 57.8 في المائة (56.5 في المائة الربع الأول 2018). وسجلت الخدمات نموا سنويا بنسبة 2.9 في المائة (2.6 في المائة الربع الأول 2018)، لكن تراجعت مساهمة النشاط في الناتج المحلي الإجمالي إلى 39.8 في المائة (41.0 في المائة الربع الأول 2018).


كما عكست التطورات المتعلقة بتنويع قاعدة الإنتاج المحلي، تراجعا سنويا في معدلات مساهمتها، حيث تراجعت نسبة تنويع قاعدة الإنتاج إلى 12.2 في المائة (12.4 في المائة الربع الأول 2018)، وتراجعت أيضا نسبة تنويع قاعدة الإنتاج (دون تكرير الزيت) إلى 8.5 في المائة (9.0 في المائة الربع الأول 2018). وعلى مستوى الإنفاق الاستهلاكي؛ تراجع النمو السنوي للإنفاق الاستهلاكي الخاص إلى 2.9 في المائة (5.1 في المائة الربع الأول 2018)، وانخفضت على أثره مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 38.5 في المائة (40.2 في المائة الربع الأول 2018)، وكذلك الحال لمساهمته في الناتج المحلي غير النفطي التي انخفضت إلى 55.6 في المائة (58.1 في المائة الربع الأول 2018)، وخضع الإنفاق الاستهلاكي الحكومي لنفس الاتجاه، الذي سجل تراجع نموه السنوي إلى 5.5 في المائة (9.8 في المائة الربع الأول 2018)، وانخفضت على أثره بدرجةٍ طفيفة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 20.5 في المائة (20.9 في المائة الربع الأول 2018)، وكذلك الحال لمساهمته في الناتج المحلي غير النفطي التي انخفضت إلى 29.6 في المائة (30.2 في المائة الربع الأول 2018).


تبادر للذهن أثناء قراءة تلك المتغيرات العديد من الأسئلة، لعل من أهمها: (1) كيف تمكن القطاع الخاص من رفع معدل نموه السنوي 2.3 في المائة، مقارنة بنموه خلال نفس الربع من العام الماضي البالغ 1.7 في المائة؟ (2) لماذا تباطأ نمو الإنفاق الاستهلاكي الخاص إلى 2.9 في المائة، مقارنة بنموه خلال نفس الربع من العام الماضي البالغ 5.1 في المائة؟


بالنسبة للسؤال الأول؛ فقد تحقق النمو السنوي للقطاع الخاص في الغالب، على الرغم من عديدٍ من المتغيرات العكسية، نتيجة لقيام منشآت القطاع بتقليص بنود عديدة في جانب التكاليف، تحديدا بند الأجور المدفوعة إلى العمالة لديها، التي تقلصت خلال الفترة (الربع الأول 2018 إلى الربع الأول 2019) بنحو 1.1 مليون عامل (انخفاض 62.3 ألف عامل من العمالة الوطنية، وانخفاض بنحو 1.0 مليون عامل من العمالة الوافدة)، عدا بقية الإجراءات الهيكلية التي قامت بها تلك المنشآت، للتكيف مع تراجع التدفقات الداخلة عليها، والذي عكسته بصورةٍ واضحة تغيرات السؤال الثاني (الإنفاق الاستهلاكي الخاص)، فكلاهما يحوم حول الآخر، وكل متغيرٍ من المتغيرات الاقتصادية أعلاه يؤثر في الآخر، ويتأثر أيضا بالآخر!


ولعل النمو السنوي لصافي أرباح الشركات المدرجة في السوق المالية، يؤكد إلى حدٍ بعيد ما يتم الحديث عنه هنا كجزءٍ واضح المعالم من الصورة الكاملة للقطاع الخاص، التي سجلت نموا سنويا لأرباحها خلال 12 شهرا بنهاية الربع الأول 2019 الماضي بلغ 4.7 في المائة (104.4 مليار ريال)، مقارنة بأرباحها لنفس الفترة المنتهية بنهاية الربع الأول 2018 (99.6 مليار ريال).

الشاهد مما تقدم؛ أن القطاع الخاص في مقابل التحديات والمتغيرات العكسية أمامه، لجأ للتكيف معها إلى الجانب الممكن التحكم فيه، ممثلا في جانب التكاليف بالعمل على خفضه، سوءا عبر خفض حجم العمالة لديه، أو عبر إغلاق بعض منافذ البيع والتوزيع والتخزين المستأجرة، التي مكنته من رفعه معدل الربحية أو المحافظة عليه على أقل تقدير، ولم يظهر حتى تاريخه أن تلك التحديات أمامه قد حدت من نشاطها، في الوقت ذاته بدأ يتصاعد عديد من فرص تعزيز القطاع للتدفقات الداخلة، المتزامنة مع جني ثمار الإصلاحات الراهنة للاقتصاد الوطني، عكستها مؤشرات ارتفاع معدلات نمو السيولة المحلية بنسبة 1.8 في المائة نهاية الربع الأول 2019 (0.2 في المائة الربع الأول 2018)، ونمو الائتمان الممنوح للقطاع الخاص بنحو 3.0 في المائة نهاية الربع الأول 2019 (- 0.5 في المائة الربع الأول 2018).


وتأتي إجابة السؤال الثاني المتعلق باتجاه الإنفاق الاستهلاكي الخاص، كأحد التحديات المتوقع استمرارها أمام القطاع الخاص، التي عكس تباطؤ نموه السنوي إلى 2.9 في المائة، مقارنة بنموه خلال نفس الربع من العام الماضي البالغ 5.1 في المائة، وانخفاض مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 38.5 في المائة (40.2 في المائة الربع الأول 2018)، ومساهمته في الناتج المحلي غير النفطي إلى 55.6 في المائة (58.1 في المائة الربع الأول 2018)، التي جاءت في الغالب لسببين رئيسين:

(1) المتعلق بانخفاض أعداد العمالة الوطنية والوافدة على حدٍ سواء (1.1 مليون عامل)، الذي قلص بدوره من حجم الإنفاق الاستهلاكي، ويتوقع استمرار ذلك بحدةٍ أقل خلال العام الجاري، إذا ما استمر القطاع الخاص في اتباع منهجيته الأخيرة بالاعتماد على خفض تكاليفه التشغيلية، في حين قد يتحول الأمر إيجابيا إذا ما عاد إلى زيادة توظيف العمالة الوطنية لديه، وتعيينها في وظائف عالية الدخل وملائمة لها، ما سيسهم بدوره في إعادة وتيرة النمو اللازم للإنفاق الاستهلاكي الخاص.


(2) السبب الآخر؛ المتمثل في انخفاض الدخل المتاح للإنفاق لدى الشرائح العاملة من مجتمع المواطنين، نتيجة ارتباطهم بعقود اقتراض بنكية عقارية طويلة الأجل (15 إلى 20 عاما)، تتجاوز نسب استقطاع سدادها نسبة 50 في المائة أو أعلى من الدخل الشهري للمقترض، وهو ما سبق الحديث عنه في مقالين سابقين نهاية حزيران (يونيو) الماضي (دور الإنفاق الاستهلاكي الخاص في تحريك الاقتصاد الوطني، لماذا يجب المحافظة على قوة الإنفاق الاستهلاكي الخاص؟)، وأنه مع الزيادة المطردة في أعداد المقترضين عقاريا خلال الأعوام القليلة القادمة، وفق الطريقة الراهنة للسداد، فإن هذا البند المهم من الاقتصاد سيواجه مزيدا من الضغوط بكل تأكيد، ما يقتضي بدوره تغييرا في تلك الطريقة، والعمل على خفض نسب الاستقطاع الدورية، خاصة أن الآثار ظهرت في وقت مبكر من بداية التجربة، وما يؤكد أنها ستأتي أقوى في المستقبل بحال استمرت على وضعها الراهن. والله ولي التوفيق.

إنشرها