إلى متى يتحمل العالم عبء الرأسمالية؟

|


في رسالة سابقة تحدثنا عن "النيوليبرالية" وحاولنا شرحها وتقديم نماذج محددة لها وكيف أنها تسعى إلى تطويع السياسات الاقتصادية لتحقيق مآرب وطنية وقومية فيها بعض أو كثير من التطرف وأحيانا تعارض الأسس أو الدعائم التي تستند إليها الرأسمالية ذاتها.
والاتجاهات السياسية في الغرب بصورة عامة مبنية على الميول الاقتصادية والخطط المتعلقة بها. فاليمين مثلا مشهود له ولعه بالسياسات الرأسمالية. أما اليسار فيتبع في الغالب سياسات تعارض كثيرا من التوجهات الرأسمالية.
وقد لا نبتعد عن الحقيقة والواقع إن قلنا إن الغرب الرأسمالي اليوم ضاق ذرعا بالرأسمالية بدليل ظهور اتجاهات وتيارات في عالم وعلم الاقتصاد تنادي علانية بتقديم نماذج وسياسات اقتصادية جديدة كي تحل محل "النيوليبرالية".
وقد لا يخطر ببال القراء الكرام – لأن الرأسمالية كمفهوم وممارسة اقتصادية لا تزال طاغية عبر الأطلسي – أن هناك اليوم حركة فكرية وأكاديمية واسعة ضمن النطاق الجامعي ومراكز الأبحاث تعمل من كثب لبناء نظريات وتطبيقات في إمكان أصحاب الشأن الاعتماد عليها وقت الأزمة.
علماء الاقتصاد هؤلاء محسوبون على اليسار السياسي ويؤمنون بأن الرأسمالية وصلت إلى طريق مسدود ولم يعد في إمكانها تلبية حاجة المجتمعات والدول التي تتبناها على طرفي المحيط الأطلسي.
وقبل التحدث عن الأسباب التي دعت لظهور هذا التيار الأكاديمي اليساري المنحى في الاقتصاد، أظن أن علينا تسليط الضوء على سلبيات اليسار السياسي الغربي ذاته قبل الولوج في مساوئ اليمين الرأسمالي.
صحيح أن اليمين الرأسمالي بصورة عامة تحكم في السياسات الغربية منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن اليسار كانت له فرص كثيرة استولى فيها على الحكم ولا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي.
يعاب على اليسار السياسي والفكري والأكاديمي انشغاله إلى حد الملل أحيانا بإظهار مساوئ الرأسمالية والتهجم عليها وتبيان ممارساتها القاسية والوحشية. وقد ساعده هذا الانشغال على كسب الانتخابات في بعض الأحيان.
بيد أن ما لم يستطع اليسار القيام به هو تقديم نماذج وخيارات وبدائل أفضل ما يقدمه اليمين الرأسمالي. لا بل كانت أحيانا تصبح، وكما وضحنا في مقال سابق، بعض الحركات والأحزاب اليسارية عند تسلمها الحكم أكثر رأسمالية من اليمين ذاته.
الرأسمالية، رغم المساوئ التي يركز عليها اليسار، لها خطط واضحة لتوزيع الثروة ودورها ووظيفتها في حياة المجتمع.
اليسار، وإلى فترة قصيرة، لم يقدم لنا أي خطط نظرية وعملية رصينة ومحكمة لكيفية توزيع الثروة والدور الذي تضطلع به في حياة المجتمع.
اليمين الرأسمالي، ومنذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، متشبث بخيارات اقتصادية واضحة تأتي مثلا الخصخصة ورفع القيود على التجارة والتصنيع وحركة البضائع والأسعار في مقدمتها.
والسياسة الضريبية لليمين الرأسمالي تقضي بتخفيض الضرائب على الأغنياء والشركات. وهناك تأكيد، نظري وممارسة، على أن يكون لأصحاب العمل ومالكي الأسهم السلطة والقوة حتى ولو كان على حساب العمال.
وأدى اليمين دوره بإتقان وإحكام، وبذل جهودا مضنية في تنفيذ سياساته إلى درجة صرنا فيها نرى أن لا خيار أمامنا غير الرأسمالية، وأن أي مقترح أو طريق أو خيار آخر لن يرى النور وسينبذه الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
أمام هذا الوضع كان أمام اليسار واحد من خيارين: ردة فعل لإظهار ما تخلفه السياسات الرأسمالية من سلبيات منها عدم المساواة وتكديس الثروة لدى فئة قليلة من أفراد المجتمع، أو السير مع التيار الرأسمالي.
وهكذا صار أمر تغيير النظام الرأسمالي أو تقديم نموذج اقتصادي آخر للتخفيف من تبعاته بمنزلة حلم أو خيال. وعندما لا حظ الناس والعالم أنه حتى الحركات اليسارية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الاقتراع فشلت في تغيير الوضع، وأصابها القنوط والإحباط وسلمت أمرها لله.
ولكن ظهر لكثيرين ولا سيما بعد الألفية الثانية أن النظام الرأسمالي قد وصل إلى طريق مسدود ولم يعد تطبيقه أو ممارسته ممكنا. أغلب الدلائل في الغرب تشير إلى أن هذا النظام أخفق في تحقيق رخاء مستدام لكل الطبقات الاجتماعية.
والأنكى، فإن النظام الرأسمالي يلام اليوم في الغرب لأن تطبيقه أدى إلى جمود وركود في الأجور، وزاد من فقر الطبقة العاملة وعدم المساواة وأنتج أزمات مصرفية ومالية خطيرة وأسهم في بروز تيارات يمينية شعبوية متطرفة ووضع العالم على شفا كارثة مناخية.
وإن كان اليسار في السابق يشير بالبنان إلى مخاطر الرأسمالية، فإننا نلاحظ أن عددا من قيادات الجناح اليميني في الغرب أخذت تعترف علانية بأن النهج الرأسمالي يمر بأزمة خطيرة وأن النظام ذاته لم يعد يعمل بصورة مرضية وأن هناك هوة ساحقة بين النظرية الرأسمالية وعمل اقتصاد السوق في عالم اليوم.
وظهرت لدينا اليوم حركة علمية وفكرية وأكاديمية وسياسية واجتماعية أيضا تعترف بأن العالم صار في حاجة إلى نظام اقتصادي جديد، يعم الخير فيه أغلبية الناس ولا يستقصي مجاميع معينة على حساب فئة قليلة، وهو أقل تدميرا للمجتمع والبيئة.
هذه الحركة يقودها أكاديميون وعلماء وباحثون همهم تقديم نموذج وخيار أفضل من النظام الرأسمالي الحالي. فما هذه الحركة يا ترى؟ وما منطلقاتها ومدياتها وتأثيرها؟ نترك الجواب للأسبوع المقبل.

إنشرها