FINANCIAL TIMES

خسارة أردوغان في إسطنبول بداية تحول جذري في تركيا

ملقيا خطاب النصر في المقر الانتخابي لحزبه ليلة الأحد، أعلن عمدة إسطنبول الجديد المعارض أن انتصاره في انتخابات بلدية محفوفة بالمخاطر بمنزلة بداية جديدة. وذكر أكرم إمام أوغلو في غرفة مكتظة بالإعلاميين ونشطاء الحزب: "نريد أن نبدأ فصلا جديدا، حقبة جديدة"، في حين كانت هتافات الأنصار المبتهجين مسموعة في الخارج.
ذلك تحديدا ما سيثير قلق رجب طيب أردوغان. حقق الرئيس التركي تقدما سياسيا لا يستهان به بعد انتخابه عمدة لمدينة إسطنبول قبل 25 عاما. الآن، بعد الرهان على الانتخابات المعادة التي خسر نسختها الأصلية في آذار (مارس)، أصبحت المدينة التي انطلق منها في أيدي معارضة نشطة ومندفعة يقودها حزب الشعب الجمهوري.
قال سنان أولجن، رئيس "إدام"، وهي مؤسسة بحثية مقرها في إسطنبول: "إنها أسوأ نكسة يواجهها". وأضاف: "ستشجع حزب الشعب الجمهوري والمعارضة في البرلمان التركي لأنهما الآن يسيطران بقوة ليس على إسطنبول فحسب، بل بشكل أساسي على (جميع) المدن الحضرية الكبرى في تركيا".
كان انتصار إمام أوغلو الباهر في جولة الإعادة يوم الأحد نتيجة لسوء تقدير كبير من جانب أردوغان، الذي عانى في السنوات الأخيرة تآكل الدعم الذي يحظى به وسط توتر في العلاقات مع الغرب، وتدهور حال الاقتصاد، فضلا عن اتهامات بانتهاجه توجها استبداديا بشكل متزايد.
بعد فقده السيطرة على سلسلة من المدن في الانتخابات المحلية التي جرت في جميع أنحاء تركيا في 31 آذار (مارس)، ضغط الرئيس وحزب العدالة والتنمية الحاكم من أجل إعادة الانتخابات في المدينة الأهم.
زعم الرئيس والحزب أن المنافسة في إسطنبول - العاصمة العثمانية السابقة التي تحمل أهمية سياسية واقتصادية ورمزية عميقة بالنسبة لأردوغان وأنصاره – تخللها عديد من المخالفات والاحتيال. بعدها ألغى مجلس الانتخابات التركي النتيجة وجرد إمام أوغلو من فوز حققه بفارق بسيط من الأصوات، وأمر بإجراء تصويت جديد.
يوم الأحد أدلى الناخبون في المدينة بأصواتهم لإمام أوغلو ليحقق فوزا حاسما هذه المرة ويحصل على 54 في المائة من الأصوات، حسب النتائج الأولية. وحصل منافسه في الحزب الحاكم، رئيس الوزراء السابق، بن علي يلدريم، على 45 في المائة.
انتصار إمام أوغلو يؤكد نجاح تغيير أساليب حزب الشعب الجمهوري. لأعوام عدة، لم يتمكن الحزب من التخلص من صورة الحزب العلماني المتزمت الذي ينتهج خطا قوميا متشددا. كانت هذه الصورة تبعد عن الحزب القاعدة الدينية لحزب العدالة والتنمية وكذلك أعضاء من الأغلبية الكردية الكبيرة.
يلدريم عمدة الحي السابق الذي يبلغ من العمر 49 عاما، والذي ينحدر ـ مثل أردوغان ـ من ساحل البحر الأسود المحافظ، صام شهر رمضان المبارك وأظهر قدرته على تلاوة آيات من القرآن.
سوات كينيكلي أوغلو، النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية والأستاذ الزائر في جامعة أكسفورد، قال "لديكم شخص، للمرة الأولى منذ 17 عاما، يتمتع بالقدرة على اقتطاع جزء من أصوات المحافظين". وأضاف "يعد هذا تغييرا في لعبة حزب العدالة والتنمية".
بشكل حاسم، عمل حزب الشعب الجمهوري مع آخرين، بما في ذلك حزب يهيمن عليه الأكراد، على إنشاء تحالف يمكنه أن يشكل تحديا خطيرا لحزب العدالة والتنمية وحلفائه. وجاءت يد العون من مشاكل اقتصادية عميقة حطمت صورة حزب العدالة والتنمية بوصفه الجهة الضامنة لزيادة الازدهار والوظائف.
الفوز بإسطنبول انتصار بارز وكبير، لكنه يحمل تداعيات عملية فورية. لعدة أعوام تمتع حزب العدالة والتنمية بالسيطرة منفردا على ميزانية البلدية البالغة أربعة مليارات دولار، واستخدمها للحفاظ على شبكات محسوبية شكلت ركيزة لدعمه. لقد تلاشت تلك الأداة الآن.
قال إسرا سيفكر جوراكار، وهو مؤلف كتاب عن المشتريات والزبائن تحت رعاية حزب العدالة والتنمية "يمكن تفسير قدرة تحمل حزب العدالة والتنمية إلى حد كبير من خلال نجاحه في إنشاء وصيانة شبكة واسعة من الامتيازات والاعتمادية المتبادلة". وأضاف "أحد العناصر الأساسية لشبكة الاعتمادية هذه متضرر الآن. لقد تعقدت الأمور أمام حزب العدالة والتنمية".
لتهدئة المعارضة، تحرك حزب العدالة والتنمية بسرعة لقبول الهزيمة ليلة الأحد. وهنأ يلدريم خصمه حتى قبل أن تبدأ وكالة الأنباء الرسمية في نشر النتائج. في وقت لاحق، انضم أردوغان إليه وغرد مهنئا العمدة الجديد.
مع ذلك، الرحلة المقبلة من غير المرجح أن تكون سهلة بالنسبة للمعارضة. بعد المراهنة على إجراء انتخابات ثانية وخسارتها، يعتقد بعض المحللين أن أردوغان سيتحول الآن إلى الخطة ج، التي تسعى إلى تقويض إمام أوغلو من خلال محاولة الضغط على تمويله أو متابعته عبر المحاكم.
تساءل ميرفي طاهر أوغلو، محلل البحوث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن "هل سيسمح أردوغان لميزانية إسطنبول بأن تستقل بذاتها بشكل نسبي؟ هل سيسمح لإمام أوغلو أن يستخدم حقا الموارد التي يحتاج إليها للحكم؟ هذه كلها أسئلة كبيرة".
في خطاب النصر الخاص به، حث إمام أوغلو الرئيس على العمل معه في قضايا تراوح من الاستعداد لمواجهة الزلازل إلى مساعدة نصف مليون لاجئ سوري في المدينة. وقال "أنا جاهز ومستعد للعمل معك في صورة منسجمة". لقد سعى العمدة الجديد في السابق إلى تفادي الأسئلة المتعلقة بطموحاته الرئاسية. لكن انتصاره المذهل في ظل ظروف صعبة - وترديد قصته أصداء قصة أردوغان - يجعل المقارنة لا مفر منها.
وصف في ليلة الأحد مهمة حكم إسطنبول بأنها "واجب مقدس" ووعد بالتركيز على معالجة الفقر والبطالة وإنشاء مزيد من المساحات الخضراء. لكنه أشار كذلك إلى التبعات الأشمل لانتصاره في بلد بدا فيه أردوغان لا يمكن إيقافه في الغالب.
بالرجوع إلى قرار تجريده من انتصاره الأصلي، قال إمام أوغلو إن مواطني إسطنبول "حملوا مجموعة قليلة من الناس مسؤولية الظلم الكبير الذي حدث لهذا البلد".
وأضاف "الفائز في هذه الانتخابات ليس شخصا واحدا أو حزبا واحدا أو جماعة واحدة أو فئة واحدة. فازت إسطنبول وتركيا كلها".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES