FINANCIAL TIMES

عملة «فيسبوك» المنتظرة تضع السلطة النقدية في الأيدي الخطأ

تحرك بسرعة وحطم الأشياء – شعارنا في أيام "فيسبوك" الأولى – كان شعارا مناسبا لشبكة اجتماعية للجامعة. لكنه غير لائق للنظام النقدي العالمي.
الأسبوع الماضي أعلنت "فيسبوك" و27 شريكا آخر عن خطة إصدار عملة رقمية جديدة تسمى "ليبرا"، يمكن استخدامها لإرسال الأموال حول العالم. إذا سارت الأمور وفقا للخطة، ستشرف بعض أكبر الشركات في العالم على هذه العملة الجديدة، من خلال جمعية مستقلة مقرها في سويسرا، رسوم عضويتها عشرة ملايين دولار.
حتى لو حققت "ليبرا" نجاحا متواضعا، فإنها ستسلم جزءا كبيرا من السلطة على السياسة النقدية من البنوك المركزية إلى هذه الشركات الخاصة، التي تشمل "فيزا" و"أوبر" و"فودافون". وما لم تتصرف الهيئات التنظيمية العالمية الآن، سيفوت الأوان.
كنت من المشككين في العملات المشفرة، معتقدا أن عدم الاستقرار والتحديات التنظيمية كبيرة للغاية. لكن "ليبرا" حالة خاصة لأنها "ستيبلكوين" stablecoin، بقيمة مربوطة بسلة من العملات وغيرها من الأصول. يمكن لأي شخص، سواء كان يستخدم "فيسبوك" أم لا، شراءها بعملة محلية واسترجاع نقوده في أي وقت.
اتخاذ القرارات المهمة بإدارة العملة، وأمنها، والأصول الأساسية سيكون بواسطة جمعية "ليبرا" التي يوجد مقرها في سويسرا – أي "فيسبوك" وشركائها من الشركات إلى حد كبير. لتجنب الشكاوى من أن إنشاء هذه العملة من شأنه أن يمنح شركة واحدة صلاحيات خطيرة، قررت "فيسبوك"، بذكاء، أن يكون لها صوت واحد فقط في الجمعية.
هذا لا يقلل من هول احتمال نجاح "ليبرا". ستدرج هذه العملة طبقة جديدة قوية من السيطرة النقدية بين البنوك المركزية والأفراد. حتما، ستضع هذه الشركات مصالحها الخاصة – الأرباح والنفوذ – قبل المصالح العامة.
لنتخيل ماذا سيحدث لو عملت "ليبرا" وفقا للخطة. سيتمكن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم من إرسال الأموال عبر الحدود بالسهولة نفسها التي يتم بها إرسال الرسائل النصية. أهداف جمعية "ليبرا" تنص على وجه التحديد على أن هذه الإمكانية ستشجع "أشكال الحوكمة اللامركزية". بعبارة أخرى، "ليبرا" ستعطل وتضعف البلدان القومية من خلال تمكين الناس من الانتقال من العملات المحلية غير المستقرة إلى عملة مقومة بالدولار واليورو، تديرها الشركات.
تعِد جمعية "ليبرا" باختيار عملات وأصول مستقرة لا يتوقع أنها ستعاني أزمات تضخمية. الرعاة محقون في أن العملة السائلة والمستقرة ستكون جذابة لكثيرين في الأسواق الناشئة. جذابة للغاية، في الواقع، لدرجة أنه لو بدل عدد كاف من الناس عملاتهم المحلية، من الممكن أن يهددوا قدرة حكومات الأسواق الناشئة على التحكم في العرض النقدي ووسائل التبادل المحلية وفي بعض الحالات، قدرتها على فرض ضوابط على رأس المال.
اللامركزية هي كلمة ذات شعبية في "وادي السيليكون" إلا أنها فشلت قطعا في السياسة النقدية. قرون من عدم الاستقرار المالي أدت إلى الظهور التدريجي لشبكة البنوك المركزية اليوم. بعد كثير من الأخطاء تعلمنا أننا نريد أن يعمل البنك المركزي على زيادة، أو تقليل العرض النقدي في لحظات الانكماش أو التوسع. هذه القوة التي تساعد على الحفاظ على استقرار الاقتصاد هي شيء يجب علينا تعزيزه وتحسينه، وليس السعي لهدمة.
ما يصفه مؤيدو "ليبرا" بـ"اللامركزية" هو في الحقيقة تحول السلطة من البنوك المركزية في العالم النامي إلى الشركات متعددة الجنسيات والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي.
لأسباب مفهومة، ستعطي البنوك المركزية العالمية المتقدمة الأولوية لاقتصاداتها. وفي الوقت نفسه، كلما قل عدد الروبية أو الليرة التي يملكها مواطنو الدولة، قلت سيطرة البنك المركزي الوطني في وضع السياسة النقدية، ما يزيد من صعوبة تحفيز الاقتصاد المحلي في أوقات التوتر الاقتصادي.
في الأزمة اليونانية الأخيرة، رأينا بأعيننا ما حدث عندما تتخلى الأسواق الناشئة عن السيطرة المحلية على عملاتها في وقت سابق لأوانه. بصفتها عضو في منطقة اليورو، كانت اليونان تفتقر إلى السيطرة على سياستها النقدية وغير قادرة على خفض قيمة عملتها المحلية بشكل مناسب بعد الأزمة المالية. بعد مرور عقد من الزمن، لا يزال الاقتصاد اليوناني أصغر 25 في المائة مما كان عليه ولديه أعلى معدل بطالة في منطقة اليورو. ومن شأن "ليبرا" أن تجعل البنوك المركزية الأخرى عاجزة بقدر مماثل لذلك عند مواجهة الركود.
يمكن أن تتمتع جمعية ليبرا بسلطة كبيرة على طريقة التمويل العالمي أيضا. ما لم تتدخل الهيئات التنظيمية بسرعة، هذه الشركات التي تستهدف الربح ستحدد معايير التحقق من الهوية، على الأقل في المدى القصير، إضافة إلى تحديد القوانين وفرض الإجراءات بشأن خصوصية المعاملات وما يجب فعله في حالة السرقة.
ستقرر "فيسبوك" وشركاؤها أي البنوك، ومعالجات الدفع، ووكلاء التوزيع الذين بإمكانهم صنع أو تحطيم الشركات في بعض الأسواق بين عشية وضحاها. سينتج عن هذا تجذر اللاعبين الحاليين بدلا من إنشاء نظام لا مركزي حقيقي.
سيقول كثيرون إن هذه المخاوف مبالغ فيها: ليس من الواضح ما إذا كانت "ليبرا" ستنطلق. لكن لو عرفنا أي شيء عن "فيسبوك"، فهو عدم التقليل من قدرتها على تغيير طريقة تفاعل الناس. إن قرار الشركة توفير ميزة البث المباشر مكن المراهقين من بث تصوير مباشر للتنمر، والإرهابيين، وعمليات الإعدام، والرجال المسلحين، وإطلاق النار الجماعي. وبشكل مشابه أحدثت أيضا تحولا في رسائل الجوال والأخبار والصحافة بشكل أسرع مما تصور كثيرون.
لا يسع الحكومات في جميع أنحاء العالم تطبيق نهج الانتظار والترقب. أنشأت مجموعة السبع فريق عمل لمراجعة المشروع بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنوك المركزية. ينبغي للمنظمين في الأسواق الناشئة أن يبطئوا مسيرة "فيسبوك" عن طريق منع البنوك المحلية وشبكات معالجة الدفع من قبول "ليبرا". إذا لم يستطع الفرد الذي يحملها نقل العملة إلى حساب مصرفي محلي أو صرفها بالعملة المحلية، فمن غير المرجح أن تنتشر على نطاق واسع. لا يجب أن يكون هذا حظرا دائما بالضرورة. إنه ببساطة يمهلنا بعض الوقت لإمعان التفكير في جميع الآثار المترتبة عليها.
في الوقت نفسه، يلعب المنظمون الأمريكيون والسويسريون دورا رئيسا، إذ من المحتمل أن يكونوا من يضع المعايير لمتطلبات معرفة العملاء ومكافحة غسل الأموال والاستقرار المالي. في الماضي قللت أجهزة المراقبة من قوة "فيسبوك" ما سمح لها بابتلاع منافسيها المحتملين "إنستجرام" و"واتساب". هذه المرة يجب أن يكون التدقيق من قبل المنظمين الحكوميين المناسبين شاملا تماما.

* أحد مؤسسي «فيسبوك» ورئيس مشارك في مشروع الأمن الاقتصادي.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES