التعليم أفكار جميلة .. وصعوبة التنفيذ

|

مر التعليم في بلادنا بمراحل عدة، حسب الظروف السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، وأخذ التعليم صورا بسيطة في مرحلة التأسيس، نظرا لقلة الموارد الاقتصادية، وندرة المتعلمين، وافتقاد البنية التحتية للتعليم، إضافة إلى عدم اكتمال التنظيمات، والسياسات. ومع بداية الاستقرار السياسي، وتوافر الأمن، والموارد المالية انطلقت مسيرة التعليم في المدن، والقرى، والأرياف تطويرا وتحسينا بزيادة المتعلمين، والبعثات، إضافة إلى المعلمين من العالم العربي، خاصة من مصر، وبلاد الشام.
الاهتمام بتدريس اللغات بدأ مبكرا، نظرا لأهمية وجود متخصصين للعمل في سفارات المملكة، وترجمة المراسلات، والوثائق، والكتب، وتم البدء في تدريس اللغة الإنجليزية من المرحلة المتوسطة منذ عقود، واضطلع بتدريسها معلمون متعاقدون؛ نظرا لعدم وجود معلمين سعوديين. لكن مع افتتاح الجامعات، وزيادة عددها افتتحت أقسام اللغة الإنجليزية ليمارس السعوديون دورهم في تدريس هذه اللغة، كما تم اعتماد تدريس اللغة الفرنسية ابتداء من السنة الأولى الثانوية، إلا أن هذه الفكرة لم تستمر طويلا لصعوبات واجهت التجربة تمثلت في صعوبات توفير المعلمين، والنفقات المترتبة عليها، والشعور بعدم جدوى تدريس اللغة الفرنسية لمحدودية انتشارها مقارنة باللغة الإنجليزية، ولعدم وجود بيئة يمكن من خلالها ممارسة اللغة الفرنسية بخلاف اللغة الإنجليزية ذات الانتشار الواسع عالميا ومحليا.
كثيرة برامج التطوير التي تطرحها وزارة التعليم ولا شك أنها تتأثر بفلسفة، وتفكير، وخلفية، ومصالح إدارتها العليا، فعلى سبيل المثال طرحت فكرة تدريس اللغة الإنجليزية ابتداء من السنة الأولى في المرحلة الابتدائية، وقد خضعت الفكرة لنقاش إعلامي، وشعبي، وعلى مستوى المفكرين، والمثقفين، وتبلور عن النقاش اتجاهان، اتجاه مؤيد للفكرة، ومتحمس لها، معللين ذلك بعالميتها، وأنها لغة العلم، والتقنية، والمؤسسات الدولية، أما الاتجاه الثاني فيعارض الفكرة؛ بسبب ما يترتب عليها من مزاحمة للغة العربية الأم، وتأثير سلبي في الأجيال يتمثل في ضعف اللغة لدى الأجيال وتشكّل اتجاهات سلبية نحوها.
وبإقرار تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية سارع كثير من خريجي الثانوية للالتحاق بأقسام اللغة الإنجليزية؛ بهدف خدمة الوطن بتدريس اللغة الإنجليزية، إلا أن أسبابا غير واضحة اعترضت تعميم التجربة على جميع سنوات المرحلة الابتدائية ولعل إعلان الوزارة أخيرا عن عدد محدود من وظائف معلمي اللغة الإنجليزية بلغت 142 وظيفة لمعلمي الذكور، أما وظائف المعلمات فهي 189 وظيفة، وفي هذا الوضع يجد حملة بكالوريوس اللغة الإنجليزية أنفسهم ينتظرون توافر الوظائف، وهذا يفرض علينا التفكير والتساؤل بشأن أسباب تراجع الحماس لتدريس اللغة في المرحلة الابتدائية، هل لعدم جدوى الفكرة من أساسها؟ وهذا يستوجب التفكير العملي، ودراسة أي فكرة في المجال التعليمي قبل الاستعجال في تنفيذها؛ لمعرفة سلامة الفكرة، ووضوح أهدافها، والقدرة على تحقيقها. أما إن كانت الأسباب إدارية أو مالية فالأولى ألا تنفذ الفكرة قبل ضمان توافر احتياجاتها كافة.
عندما طرحت فكرة تدريس اللغة الصينية كتبت مقالا بعنوان "إلى ماذا نحتاج لتدريس اللغة الصينية؟" طرحت فيه ضرورة تحديد، وتوفير جميع الاحتياجات المادية، والبشرية، وتوفير البيئة التي تضمن نجاح الفكرة، وضمان عدم تعثرها، وحتى لا نواجه النتائج نفسها التي حدثت مع متخصصي اللغة الإنجليزية الذين هبوا لخدمة الوطن عندما أعلن عن تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية ودرسوا اللغة.
الأفكار قد تكون جميلة، ومهمة، وذات قيمة للوطن إلا أن التنفيذ ربما يشوبه كثير من السلبيات؛ نظرا لعدم دراستها من جميع الجوانب الكفيلة بنجاحها، وتحقيق أهدافها، فدراسة أي لغة تتطلب بيئة تمارس فيها اللغة، خاصة النطق، وهذا ما وجدته في دراسة أجريتها أنا وزملائي على كلية اللغات والترجمة في جامعة الملك سعود، إذ تأكد ضعف الترجمة الفورية لدى الخريجين في كل اللغات التي تدرسها الكلية؛ نظرا لافتقاد البيئة والوسط الذي يمارس خلاله الطلاب اللغة نطقا، لذا كانت أولى التوصيات أن يكون ضمن البرنامج فصلا دراسيا يقضيه الطالب في بلد اللغة المتخصص فيها، كما أن من أسباب تعثر البرامج ارتباطها بمسؤول أعلى يتحمس لها لكنها تموت حين يترك المنصب ليأتي زميله، ويغير، ويبدل، ويقرب، ويبعد بمعزل عن العمل المؤسسي الذي يفترض أن يكون الأساس.

إنشرها