الابتكار .. ومفاهيم المعرفة المتجددة

|

عندما نقول "ابتكار" Innovation يبرز تحدي المعنى المقصود بشكل محدد، وليس بشكل عام فقط. فكلمة "ابتكار" باتت مصطلحا يتمتع إلى جانب معناه اللغوي، بمعنى اصطلاحي متداول على مستوى العالم. ولا يتناقض المعنى الاصطلاحي مع المعنى اللغوي، لكنه يعبر بصورة أدق عن المعنى المقصود، حيث يساعد ذلك على التواصل بين المهتمين بالموضوعات المرتبطة به. ولعل سبب التحديد الأدق للمعنى المقصود وجود كلمات أخرى تبرز في الذهن عند الحديث عن الابتكار هي: الإبداع Creativity، والاكتشاف Discovery، والاختراع Invention. هذه الكلمات تحتاج أيضا إلى معنى اصطلاحي محدد يعبر عنها، وبذلك يمكن تجنب اختلاط المقصود بها، وعدم وضوح ما تعبر عنه. لذلك سنبدأ ببيان المعاني الاصطلاحية المتداولة لهذه الكلمات، وعلاقتها بمصطلح الابتكار. والغاية هنا هي وضوح الحديث حول الابتكار وتوجهه التنموي، وضرورة تفعيله في المجتمع.
الإبداع فكرة تستند إلى معطيات علمية سليمة، وأساس منطقي مقنع، على أن تكون قد أخذت طريقها إلى التأهيل والنضج في المجال الذي تنتمي إليه. وقد يكون الإبداع اكتشافا حينما تكون فكرته حقيقة من حقائق الحياة يجري الكشف عنها بالملاحظة، كحقيقة وجود الإلكترونات كمكون من مكونات الذرة. أو قد يكون الإبداع ذهنيا حينما تكون فكرته استنتاجا تعطيه محاكمة عقلية، ككثير من النظريات الرياضية. أو ربما تكون فكرته نابعة من الاثنين معا "الحقائق والاستنتاجات"، كما هو الحال في أفكار تقنيات المعلومات المتجددة. وليس للإبداع، بما يشمل الاكتشاف، وبالضرورة، غاية مادية مباشرة، بل إنه يتطلع في الغالب إلى "المعرفة من أجل المعرفة"، والفائدة المادية قد تأتي فيما بعد، وفي بعض الأحيان قد لا تأتي بعد ذلك أبدا.
وكالإبداع يستند الاختراع أيضا إلى فكرة، لكن للفكرة هنا فائدة، حيث لا يتم تأهيلها عبر الملاحظة والاستنتاج والتوثيق المنطقي والعلمي فقط، وإنما يجري تجسيدها في تكوين مادي، كجهاز أو كآلة جديدة أو متجددة، أو عبر إجراء عمل متميز وغير مسبوق. ويستطيع صاحب الاختراع الحصول على "براءة اختراع" Patent تمنحه وحده حقوق تصنيع اختراعه والاستفادة منه لفترة زمنية محددة، في منطقة جغرافية محددة أيضا. وترتبط هذه المنطقة عادة بالدولة المانحة للبراءة، أو بمجموعة من الدول المتفقة على منح براءات اختراع مشتركة فيما بينها. وعلى ذلك، تمثل براءة الاختراع وثيقة قانونية لحفظ حقوق اقتصادية لصاحبها ضمن إطار زمني وجغرافي محدد. وكي يحقق الاختراع الفائدة المادية المرجوة، يجب أن يكسب السوق، بمعنى أن تتجاوز فوائده لدى الراغبين فيه، التكاليف التي يدفعونها من أجله.
ونصل إلى الابتكار، الذي يستند، كسابقيه، إلى فكرة؛ وفكرته هذه كفكرة الاختراع موجهة نحو تحقيق فائدة. ولعله بالإمكان وصف فائدة الابتكار بأنها تنموية، وليس بالضرورة اقتصادية مادية فقط، لأنها قد تعطي تنمية اجتماعية أو إنسانية أيضا. وللابتكار تعريف دولي شائع صدر عن "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD". وهذا التعريف هو الأساس النظري الذي يستند إليه "الدليل الدولي للابتكار GII"، المكون من 80 مؤشرا، في تحديد وتقييم الابتكار في مختلف أنحاء العالم. ويقول هذا التعريف:
"الابتكار هو تنفيذ منتج جديد أو مطور بدرجة عالية؛ ويتمثل هذا المنتج: بسلعة، أو خدمة، أو إجراء عمل، أو أسلوب تنظيم، أو طريقة تسويق؛ وذلك في مجالات تتضمن ممارسة الأعمال، وتنظيم شؤونها، وإدارة التعامل مع الآخرين".
يشير هذا التعريف إلى أن الابتكار ليس بالضرورة أن يكون تقنيا، بل يمكن أن يتوجه نحو أمور غير تقنية. فهناك ما يعرف بالابتكار "الناعم" Soft؛ وهناك الابتكار "الاجتماعي" Social؛ ثم هناك الابتكار "المفتوح" Open. وفيما يلي عرض للمقصود بكل من هذه الأنواع من الابتكار.
يقدم الابتكار الناعم منتجا يتميز بجاذبية حسية وليس وظيفية، والمقصود بذلك الجاذبية الفنية أو الجمالية. وبناء على هذا التعريف، فإن الابتكار الناعم هو الابتكار المرتبط بالصفات الخارجية للمنتج المعطى، وليس بإمكاناته الوظيفية، مثل شكل الجهاز وليس إمكاناته. ويعطي هذا الابتكار قيمة في إطار معايير المفاضلة الشخصية، وليس في معايير المفاضلة الموضوعية العامة. وتجدر الإشارة إلى أن مصدر تعريف هذا الابتكار هو مؤسسة نيست NEST الخيرية البريطانية، المهتمة بتقديم الأفكار المهمة في الحياة لكل من المؤسسات والناس.
وننتقل إلى الابتكار الاجتماعي، لنطرح تعريفه المعتمد في مركز الابتكار الاجتماعي CSI التابع لجامعة ستانفورد Stanford. يقول هذا التعريف: "الابتكار الاجتماعي حلول جديدة لمشكلات اجتماعية تحمل خصائص تميزها عن حلول سابقة؛ وتشمل هذه الخصائص الارتقاء بالفاعلية، والكفاءة، والاستدامة؛ وتتركز الفوائد المرجوة من هذا الابتكار على المجتمع أكثر من تركيزها على الفرد". ومن أمثلة هذا الابتكار إطلاق أساليب جديدة مبتكرة في التدريس؛ وفي الحد من التلوث؛ وفي الحماية الصحية والخدمات الاجتماعية، وفي تشجيع التجارة العادلة؛ وغير ذلك.
ونصل إلى الابتكار المفتوح الذي يركز على الشراكة في الابتكار على غرار ما يعرف "بالشراكة الجماهيرية في المصادر" Crowd Sourcing. وتطلق بعض المؤسسات هذه الشراكة ضمن إطار مجموعة من المستشارين أو الشركاء الخارجيين، كما تفعل مؤسسة الفضاء الأمريكية NASA؛ وتطلقها مؤسسات أخرى في إطار زبائنها المهتمين بمنتجاتها، كما تفعل مؤسسة ليجو LEGO المتخصصة في الألعاب الذكية للأطفال.
وهكذا نجد أن الابتكار هو "حصيلة أفكار إبداعية موجهة نحو تقديم فوائد تنموية". وقد تكون هذه الفوائد تقنية ترتبط بموضوعات العلوم والتقنية؛ وقد تكون شكلية أو حسية جمالية جاذبة للاهتمام؛ وقد تكون أيضا اجتماعية تتعلق بقضايا اجتماعية وإدارية، تقدم لها حلولا متميزة غير مسبوقة. وقد يتم الابتكار، الذي تقدمه مؤسسة ما، ليس عبر مراكز بحوث هذه المؤسسة أو من خلال منسوبيها فقط، بل عبر شراكة مفتوحة مع آخرين من شركاء وزبائن ومهتمين. ولئن كان هذا المقال قد اهتم بالنظر في المقصود بالابتكار ومفاهيم المعرفة المتجددة ذات العلاقة، فإن مقالات أخرى قادمة ستركز على موضوعات المعرفة المتجددة، محاولة وضع مزيد من النقاط على الحروف، وساعية إلى الاسهام في إضاءة طريق المستقبل.

إنشرها