لماذا يجب المحافظة على قوة الإنفاق الاستهلاكي الخاص؟

|

أكمل من حيث انتهى المقال الأخير "دور الإنفاق الاستهلاكي الخاص في تحريك الاقتصاد الوطني"، والتأكيد مجددا على الأهمية القصوى، التي يتسم بها الإنفاق الاستهلاكي الخاص، الذي يمثل فيه أفراد المجتمع شريحته الأكبر والأهم، لخصته ورقة العمل المنشورة على موقع مؤسسة النقد العربي السعودي بثلاث توصيات محددة؛ بالمحافظة على السلوك الاستهلاكي مع توجيهه، وزيادة مساهمة الإنفاق الاستهلاكي في التنمية الاقتصادية، ثم الاستفادة من التجارب الدولية في اتباعها سياسة تحفيز الاستهلاك الخاص وتوجيهه نحو السلع والخدمات المحلية، وأخيرا وليس آخرا التأكيد على أنه مساهم حقيقي في عوامل النمو الاقتصادي الوطني.
تبلور عنها في ختام المقال السابق مساران رئيسان لخطة عمل عديدة الأطراف من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، المسار الأول: العمل بسرعة أكبر على مستوى توطين فرص العمل المحلية المجدية من حيث الدخل والإنتاجية، بما يسهم في تحسن مستويات دخل المواطنين، ويزيد بدوره من إنفاقهم الاستهلاكي الخاص على السلع والمنتجات والخدمات محليا، ويحد من تسرب الأموال للخارج. المسار الثاني: تقليص نسب استقطاع القروض العقارية طويلة الأجل من دخل الأفراد، إلى ما لا يتجاوز 35 في المائة إلى 40 في المائة في أصعب الأحوال، مقارنة بوضعها الراهن الذي يستقطع 50 في المائة إلى 65 في المائة، واستكمال العمل بمنهجية خفض الأسعار المتضخمة للأراضي والمساكن، التي توقفت عند بدايتها المبكرة، الذي سيسهم بدوره في زيادة الدخل المتاح للإنفاق الاستهلاكي للأفراد من جانب، ومن جانب آخر يحافظ على فرصهم في الادخار والاستثمار، كما سيؤدي ذلك إلى خفض تكلفة فاتورة الدعم اللازم من قبل الدولة- أيدها الله- المتوقع إن مضت الأوضاع على ما هي عليه الآن، أن تتجاوز سنويا في منظور عقد قادم سقف 84 مليار ريال، وأن يصل إجمالي فاتورتها من العام الجاري حتى عام 2030 إلى نحو 653 مليار ريال، هذا عدا الرصيد الكبير المتوقع أن تصل إليه القروض العقارية على كاهل الأفراد وفق الوتيرة الراهنة، لتستقر أعلى من 1.1 تريليون ريال في أقل من عقد قادم.
يذهب الحديث هنا مباشرة إلى أهمية وضرورة بذل العناية الكافية واللازمة، بمتغيرات أخرى ذات علاقة مباشرة بما يجري تنفيذه الآن على مسار رفع معدلات تملك المواطنين لمساكنهم، والمتغيرات الاقتصادية، التي لا تقل أهمية بأي حال من الأحوال عن أهمية الوصول إلى ذلك الهدف المنشود والمشروع "رفع معدلات تملك المواطنين لمساكنهم"، ويبرز مدخل الإنفاق الاستهلاكي الخاص هنا كبوابة أو عنوان رئيس لها، تبدأ بضرورة المحافظة على تنامي التدفقات الداخلة على منشآت القطاع الخاص، التي تحفزها لمزيد من إنتاج السلع والخدمات المحلية عموما، وذات المحتوى المحلي على وجه الخصوص، ولما يمثله هذا القطاع الحيوي في هيكل اقتصادنا الوطني من وزن ثقيل، تستهدف "رؤية المملكة 2030" الصعود بذلك الوزن في الناتج المحلي الإجمالي من 40 في المائة إلى 65 في المائة بحلول 2030، وأن يصبح المحرك الأكبر والأهم للاقتصاد الوطني أولا، وثانيا الممول الأكبر للميزانية الحكومية عبر بوابة الإيرادات غير النفطية، التي تستهدف "الرؤية" الوصول بها في نهاية الخطة إلى نحو 1.0 تريليون ريال.
وليس عند هذا الحد فحسب؛ بل ترتفع التطلعات والطموحات تجاه القطاع الخاص، إلى أن يصبح الموظف الأكبر للموارد البشرية الوطنية، الذي يستهدف رفع إنتاجيته بالاعتماد الأكبر على العمالة الوطنية، واستثمار مخرجات التعليم العام والفني والعالي لدينا على أفضل مستوى ممكن من الكفاءة، نظير الموارد المالية الهائلة، التي خصصتها الدولة- أيدها الله- في قطاع التعليم والتدريب، ومن جانب آخر ليسهم القطاع الخاص في خفض معدل البطالة إلى ما دون 7 في المائة بنهاية الخطة.
بالنظر إلى كل تلك التطلعات والأهداف التنموية والاقتصادية العملاقة، الملقى تحدي تحقيقها على أرض الواقع على كاهل القطاع الخاص، سنجد أن ثمارها لا تقف فحسب عند حدوده، بل تتجاوزه إلى ما هو أبعد من ذلك بمسافات بعيدة جدا، وأنها في الحقيقة ثمار ستنعكس إيجابياتها على عموم أرجاء الاقتصاد الوطني والحكومة والمجتمع دون استثناء، ما يقتضي بالضرورة النظر إلى ما يتم الحديث حوله هنا بمنظور أكثر اتساعا، وأرحب وأشمل.
فالاقتصاد الوطني سيكتسب قطاعا حيويا منتجا بدرجة أكبر مما هو عليه اليوم، وسيصبح بموجب كل تلك المكتسبات أكثر استقلالا عن تقلبات أسواق النفط العالية، كما سيصبح أكثر رسوخا وقوة من حيث الاستقرار والقدرة على تحقيق النمو المستدام والشامل. والحكومة سيصبح لديها قطاع سيكون هو الرافد الأكبر لتمويل ميزانيتها العامة، ويسهم في تحقق استقلاليتها القريبة من الكمال في الاعتماد على دخل النفط، وخفضه إلى أدنى مستويات ممكنة، ويسهم بدوره في ارتفاع قدرتها المالية بدرجة أكبر بكثير من اليوم على مواجهة المتطلبات الملقاة على عاتقها، ويؤدي إلى تحسن كبير في موقفها المالي، لا يمكن حساب مكتسباته بأرقام اليوم.
أما على مستوى المجتمع أفرادا وأسرا، فلا شك أن توافر مزيد من فرص العمل الكريمة والجيدة الدخل أمامهم، والحصول عليها في أروقة منشآت القطاع الخاص، سيعود عليهم بتحسن مستويات دخلهم ومعيشتهم على حد سواء، الذي سيؤدي بكل تأكيد إلى تحسن وتعدد خياراتهم الحياتية، وإلى ارتفاع جودة الحياة، التي تنتظرهم في أجواء تنموية واقتصادية واجتماعية نصبو جميعا إلى تحقيقها.
عد الآن إلى الوراء قليلا، وتحديدا إلى الصورة الراهنة؛ التي تقف اليوم على استقطاع تلك النسب العالية جدا من الدخل الشهري للأفراد العاملين، لأجل سداد التزامات قروض عقارية طويلة الأجل، تمتد إلى 15 - 20 عاما مقبلة من حياة الأفراد، وقارن ماذا سيتبقى لديهم كإنفاق استهلاكي متاح؟! وانظر أيضا في الفاتورة باهظة الثمن الواجب تحملها على كاهل الحكومة، نظير الاستمرار في دعم تلك القروض العقارية طويلة الأجل، وما الصعوبة، التي ستواجهها مستقبلا لأجل الوفاء بمتطلبات ذلك الدعم المالي الكبير، وكيف لها أن توفر لها المخصصات المالية اللازمة سنويا؟! خاصة في ظل احتمال عدم قدرة القطاع الخاص على الوفاء بما هو ملقى على كاهله من متطلبات، نظير تقلص التدفقات النقدية عليه عاما بعد عام، وما قد يضطر إليه على عكس ما كان مأمولا منه في مجال التوظيف، أن يقوم بتقليص أعداد العمالة الوطنية لديه، وما قد ينتج عنه من ارتفاع بالغ الضرر لمعدل البطالة، وصولا إلى ما لا قدرة للاقتصاد حول العالم للتعامل معه، ممثلا في احتمال زيادة المتعثرين عن سداد القروض العقارية، نتيجة فقدانهم أعمالهم في القطاع الخاص، الذي نحن بكل تأكيد في غنى تام عنه.
إننا جميعا نتفق على أهمية الهدف الاستراتيجي "رفع معدلات تملك المواطنين لمساكنهم"، إنما الاختلاف فقط على أي الطرق التي يجب خوضها وصولا إليه، وهي عديدة ومتنوعة، سيأتي الحديث في المقال المقبل على أقلها مخاطرة وأعلاها عائدا- بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

إنشرها