نموذج ملهم في الرضا واليقين

|
كاتب اقتصادي


يعتمد تأثير الكوارث على قوتها ومدى الاستعداد لها. فالتاريخ يخبرنا أن هاييتي تعرضت عام 2010 لأسوأ كارثة طبيعية في الوقت الحديث من حيث عدد الضحايا، مع أن قوة الزلزال لم تتجاوز سبع درجات على مقياس رختر. لكن زلزال هاييتي تسبب في مقتل 316 ألف شخص، وتجاوز عدد المصابين بسببه 300 ألف مصاب، ودمر أكثر من مليون منزل، بخلاف انتشار الكوليرا خلال السنوات الأربع التي تلت الكارثة التي تسببت في مقتل ثمانية آلاف شخص وإصابة 700 ألف بالكوليرا. في الجانب الآخر وفي عام 2011 تعرضت اليابان لزلزال عنيف تجاوزت قوته تسع درجات بمقياس رختر، وامتد أثره لمساحة 130 كيلومترا ومع ذلك لم يتجاوز عدد القتلى 19 ألفا وستة آلاف مصاب. فليست العبرة دائما بقوة الكارثة، وإنما بمدى الجاهزية لها قبل وقوعها، سواء كانت كوارث طبيعية، أو بيولوجية، أو تغيرات الطقس، وخلافه. فالدول المتقدمة غالبا ما تكون لديها خطط طوارئ قبل وقوع الكوارث ما يسهم في تخفيف أثرها، بينما يكون تأثير الكوارث في الدول النامية والفقيرة مضاعفا بسبب محدودية الاستعداد لها. والقرآن الكريم في قصة يوسف - عليه السلام - وتفسيره للسنين العجاف والرخاء وكيفية التعامل معها إشارة بديعة إلى كيفية التعامل مع الأزمات وضرورة الاستعداد لها قبل وقوعها.
البشر لا يختلفون كثيرا عن الدول في التعامل مع المصائب والشدائد. فتجد هناك أشخاصا لديهم استعداد لتقبل الصدمات مع كونها عنيفة وقوية جدا كحال اليابان، بينما نجد آخرين لا يتعرضون لقوة الهزات نفسها، ومع ذلك تنهار قواهم بسرعة كهاييتي، وتتسبب لهم هذه الكوارث آثارا مدمرة من جلطات وأزمات عضوية ونفسية لسنوات طويلة. فوجود خطط للطوارئ لنا كأفراد مهم جدا لكون الدنيا لا تصفو لأحد، ومنغصات الحياة جزء من طبيعتها وأحيانا حلاوتها. وكما قال الشاعر أبو الحسن التهامي في مرثيته الرائعة لابنه:
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدها
صفوا من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلِّفُ الأيَّامِ ضدَّ طباعها
متطلِّبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ
إذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّما
تبني الرجاءَ على شفيرٍ هـار
فالعيشُ نومٌ والمنيَّةُ يقظةٌ
والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ
فاقْضوا مآربكم عِجالا إنَّما
أعمارُكم سَفَرٌ من الأسفارِ
أما معيار نجاح التعامل مع المصائب فيكمن في تقبل الصدمة الأولى. فقد مر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، -وَلَمْ تَعْرِفْهُ-، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ -، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ -، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» رواه البخاري. نحن بحاجة إلى نماذج ملهمة تساعدنا على تقبل الصدمات والتعايش مع منغصات الحياة المختلفة.
ومن النماذج المشرقة التي أسرتني حتى كتابة هذا المقال، ما ذكره لي صاحبي أنه عندما ذهب مع أخيه علي المبارك - رحمه الله - لزيارة المستشفى بعد إجراء فحوص، طبية أخبره الطبيب بأنه مصاب بسرطان البنكرياس، فبادر بالسجود لله مباشرة في موقف ليس من السهولة التعامل معه بهذه الصورة الراقية في التأدب مع الله. فالمعروف أن سرطان البنكرياس من أشرس أنواع السرطانات، وأسرعها انتشارا وأكثرها سببا للوفاة.
فعلي المبارك - رحمه الله - سلم نفسه لله إيمانا وتسليما بقضاء الله وقدره، مع أنه كان في قمة صحته وعافيته ونشاطه. ردة فعله – رحمه الله - لخبر صاعق تغني عن كل التفاصيل. الصدمة الأولى هي المحك الأول والأخير لمدى نجاحك في الاختبار وتقبلك للأزمات. فتقبل خبر أن شريط حياتك أزف على الرحيل درس نحتاج إلى أن نتعلمه من أمثال علي - رحمه الله. وكنت حريصا على مقابلته، لكن الله اختار أمانته قبل أن أتتلمذ على يديه في كيفية تنمية أسمى درجات التسليم واليقين بالله، ما مارسه علي - رحمه الله - من خلال هذا الموقف العصيب عبادة قلبية من أصعب أنواع العبادات وهي عبادة القلب. فأحد التعريفات المعتبرة للعبادة أنها اسم جامع لقول القلب وعمل القلب وعمل الجوارح وقول اللسان. وأعمال القلوب من رضا ويقين بالله من أسمى أنواع العبادة، وتحقق مقولة أرني الدين في سلوكك وأخلاقك وتعاملاتك لا في أقوالك. لا أعتقد أن علي المبارك - رحمه الله - وصل لهذه الدرجة من اليقين بالله والنظرة الواقعية للحياة في لحظة تلقيه الخبر، وإنما نتاج رحلة طويلة من الإيمان بالله والتصالح مع النفس والنظرة الواقعية لطبيعة الحياة.
ولعل الله اختار له أن يموت مبطونا، والمبطون شهيد كما في الحديث ليكون شهيدا وهو بين أهله. ولعل عليا - رحمه الله - سأل الله الشهادة في سبيله وفي ميدان المعارك "بحكم كونه أحد رجال أمننا" فحقق الله له الشهادة بصورة أخرى. فعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - طلب الشهادة وقال "اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك والموت في بلد رسولك" فتحققت له الشهادة وهو في المدينة.
كل من حضر الجنازة أدرك حجم التأثر الذي أحدثه – رحمه الله - في محيطه الأسري والمهني والاجتماعي بكل أبعاده. كان - رحمه الله - نموذجا في اليقين والرضا وكان مستعدا بخطة طوارئ بقي صداها لنتعلمها منه. وحقه علينا تنفيذ وصيته لنا بقوله في تغريدة له قبل ثلاثة أشهر من كتابة هذا المقال "إن أخذ الله أمانته أرجو أن تدعو لي أن يرزقني الله الفردوس الأعلى من الجنة نجتمع فيها على سرر متقابلين وندخلها دون حساب ولا عقاب. تقبل الله مني ومنكم التوبة والإنابة، اللهم اجعل هذه المشاركة في تويتر في موازين حسناتي وتقبلها مني يا رب العالمين، ونلتقي قريبا بحوله وقوته". رحمك الله أبا فهد ورفع الله قدرك وفي أعلى الجنان أسكنك.
يبقى السؤال الأخير لك عزيزي القارئ هل لديك خطة؟ وهل أنت ستكون مثل اليابان أم هاييتي في التعامل مع المصائب؟ أعتقد أن الأفضل أن تتخلق بقيم الإسلام في التعامل معها.

إنشرها