التيسير النقدي الأوروبي

|


تلعب منطقة اليورو دورا مهما في الاقتصاد العالمي، حيث يعيش فيها أكثر من 340 مليون إنسان أو أكثر بقليل من سكان الولايات المتحدة. ويتمتع سكانها بمعدلات دخل مرتفعة، كما تحتل المنطقة المركز الثاني عالميا في الناتج المحلي الإجمالي بعد الولايات المتحدة. وتضم منظومة اليورو معظم الاقتصادات الأوروبية القوية، وتحتضن معظم سكانها، كما ترتبط بباقي أعضاء المنطقة الاقتصادية الأوروبية بروابط قوية، خصوصا في مجالات التجارة وتدفق العمالة والسياسات النقدية. وتكتسب سياسات منطقة اليورو النقدية أهمية كبيرة عالميا بسبب ضخامتها الاقتصادية وحجم تجارتها الخارجية الهائل، وعملتها - اليورو - المنافسة القوية للدولار الأمريكي.
يدير السياسات النقدية في منطقة اليورو البنك المركزي الأوروبي الذي يتمتع باستقلالية كبيرة وتتأثر الأسواق العالمية بسياساته وتحظى تصريحات رئيسه باهتمام شديد في الأوساط الاقتصادية والمالية العالمية. وسعى البنك المركزي الأوروبي خلال السنوات القليلة الماضية إلى تحفيز النمو الاقتصادي في منطقة اليورو من خلال سياسات التيسير الكمي وسياسات التيسير النقدي الأخرى، ونجح في تمكين اقتصاد المنطقة رفع معدلات النمو المنخفضة إلى معدلات معقولة إلى حد ما. ووصل معدل النمو الاقتصادي في عام 2017م إلى نحو 2.4 في المائة، ولكنه تراجع في العام التالي إلى نحو 1.8 في المائة، ومن المتوقع أن ينخفض هذا العام إلى نحو 1.3 في المائة. ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي ليس مرتاحا من معدل النمو الحالي، وسيسعى إلى تحفيز النمو من خلال تبني سياسات نقدية أكثر مرونة.
صرح ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، أخيرا بأن البنك سيسعى لاتباع سياسة نقدية أكثر مرونة والتدخل لتنشيط اقتصادات المنطقة في حال عدم تحسن معدلات النمو الاقتصادي فيها. وأدى هذا التصريح إلى التأثير في معدلات صرف اليورو، بسبب المخاوف من تراجع معدلات الفائدة على العملة التي هي منخفضة أساسا. ويهدف خفض معدلات الفائدة الأساسية في المدى القصير التي يفرضها البنك المركزي إلى التأثير في معدلات الفائدة طويلة الأجل ودفعها للتراجع لتشجيع حركة الاستثمارات والأنشطة الاستهلاكية. وإضافة إلى هذه الخطوة قد يلجأ البنك المركزي الأوروبي للعودة إلى شراء السندات لزيادة حجم السيولة في الأسواق من خلال عمليات التيسير الكمي التي نجحت في التصدي للأزمة الاقتصادية العالمية - أو الركود العظيم - التي حدثت في عام 2008م. وكان البنك المركزي الأوروبي قد توقف عن شراء السندات قبل ستة أشهر أي في ديسمبر 2018م.
يصغي كثير من المستثمرين لتصريحات رؤساء البنوك المركزية الكبرى ويرحبون بسياسات التيسير النقدي ويرون أنها مؤشر على تدفق السيولة إلى أسواق المال، ما يشجع تدفق الاستثمارات ويرفع المؤشرات المالية لانخفاض تكلفة الاقتراض. وتقود سياسات التيسير النقدي أيضا إلى التأثير سلبا في أسعار العملة – اليورو في هذه الحالة - ما يخفض معدلاتها أمام العملات المنافسة، الدولار بشكل رئيس. يقود تراجع العملة إذا استمر لفترة زمنية معقولة إلى تراجع أسعار الصادرات بالعملات المنافسة ما يسهم في تعزيز الطلب الخارجي ويحفز معدلات نمو الصادرات ونمو الناتج المحلي للبلد المخفض للعملة. وفي الوقت نفسه يقود خفض العملة إلى رفع أسعار الواردات المسعرة بالعملات المنافسة ويخفض الطلب عليها ويرفع الطلب على المنتجات المحلية المنافسة، ويدعم بالتالي النمو الاقتصادي المحلي (قد يتسبب الخفض القوي لأسعار العملة في إحداث آثار قوية سلبية وأحيانا كارثية على دخول الشرائح السكانية محدودة الدخل). ودفعت مخاوف تراجع اليورو المسؤولين الأمريكيين إلى التذمر من هذه الخطوة، التي قد تشجع المستهلكين الأمريكيين على شراء مزيد من السلع والخدمات الأوروبية وزيادة منافسة المنتجات الأمريكية على المستوى العالمي ما قد يؤثر سلبا في معدلات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
أما بالنسبة لباقي اقتصادات دول العالم فإن تأثرها بهذه السياسات يتبع التأثير العالمي الكلي لها في معدلات الصرف والفائدة والنمو. وتتأثر الدول المرتبطة عملاتها بالدولار بالتأثير نفسه الذي يحدث للاقتصاد الأمريكي ولكن مدى التأثير يتوقف على هيكل الاقتصادات الأخرى، فالاقتصادات الصناعية التي عملتها مرتبطة بالدولار الأمريكي أكثر تأثرا بهذه السياسات بينما يقل تأثيرها في الاقتصادات المرتبطة المصدرة للمواد الأولية. أما إذا حدث ارتفاع قوي للدولار مقابل اليورو بسبب هذه السياسات فقد يؤثر بعض الشيء في أسعار النفط والمواد الخام الأخرى المسعرة بالدولار. من جهة أخرى فإن نجاح سياسات التيسير النقدي في رفع النمو الأوروبي سيعزز الطلب على السلع الصناعية والأولية على المستوى العالمي ما يعني أن التأثير الكلي يتوقف على صافي تأثير السياسات في النمو ومعدلات الفائدة وأسعار العملات.

إنشرها