العمل التطوعي .. لا يزال في حاجة إلى عمل

|


العمل التطوعي يعكس روح العطاء وكرم الذات لدى الإنسان، وهو ممارسة وسلوك اختياري دون طمع أو تفكير في مردود مادي، ولا يقتصر على المساعدات المادية والأمور الاجتماعية، بل يمتد إلى تنمية ثقافة المجتمع، والتعليم، والصحة، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب المحافظة على البيئة والحياة الفطرية. وتشمل الأعمال التطوعية إحضار مواد غذائية لكبار السن والأسر الفقيرة، ومساعدة الطلاب على دراستهم، وتنظيف مسجد الحي ومرافقة أحد الجيران للحصول على الرعاية الصحية، أو المساعدة على تنظيم الفعاليات والمحاضرات الدينية والثقافية والعلمية وإصلاح الأعطال المنزلية للجيران والأسرة المحتاجة وغيرها.
وقد حث الرسول - عليه الصلاة والسلام - على العمل التطوعي بقوله: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى». وتهدف "رؤية المملكة 2030" إلى الوصول بعدد المتطوعين إلى مليون متطوع في القطاع غير الربحي سنويا مقابل 11 ألفا فقط في تاريخ إعداد الرؤية. وللعمل الخيري فوائد كثيرة تعود على الفرد والمجتمع على حد سواء، مثل تخفيف معاناة الأسر والمحتاجين، وكذلك تقليل الأعباء على الأجهزة الحكومية، إلى جانب تعزيز اللحمة الوطنية والاستفادة من الشباب.
وبناء على مسح العمل التطوعي الذي نفذته الهيئة العامة للإحصاء خلال شهر أكتوبر 2018، يصل معدل التطوع بين السكان (15 سنة فأكثر) إلى نحو 8 في المائة فقط، ويرتفع قليلا بين الذكور إلى 12 في المائة، في حين ينخفض إلى أقل من 5 في المائة بين الإناث. ويصل متوسط ساعات العمل التطوعي إلى 11 ساعة خلال أربعة أسابيع. ويبدو أن السكان الأكثر تعليما هم الأكثر ميلا للمشاركة في العمل الخيري، خاصة أن 38 في المائة من المتطوعين حاصلون على مؤهل جامعي، كما الأغلبية من المتزوجين، وهذا ليس غريبا، خاصة إذا علمنا أن المتزوجين يمثلون أغلبية السكان (15 سنة فأكثر). وكما هو متوقع، فإن نحو 83 في المائة من المتطوعين قاموا بأعمال تطوعية لمصلحة الأفراد، وليس المؤسسات.
وتشير بيانات المسح إلى أن من بين أسباب المشاركة في العمل التطوعي وجود وقت فراغ (7 في المائة) أو الشعور بأن العمل التطوعي واجب وطني (29 في المائة)، أو الشعور بحب مساعدة الآخرين (41 في المائة)، وبعضهم يرى أن العمل الخيري فرصة جيدة للتواصل مع الآخرين (9 في المائة)، أو تطوير المهارات (4 في المائة). وفي المقابل، أبدى قرابة الثلث (33 في المائة) من الذين لم يشاركوا في العمل التطوعي، أن عدم المشاركة يعود إلى عدم وجود فرصة مناسبة للتطوع (33 في المائة)، وأكثر من النصف (57 في المائة) لم يشارك بسبب عدم توافر الوقت، في حين لم يشارك عدد منهم (7 في المائة) بسبب شعورهم بعدم جدوى العمل التطوعي. وبناء عليه، يتضح أن هناك نسبة كبيرة من الناس يرغبون في المشاركة في العمل التطوعي ولكن، لا يعرفون كيفية المشاركة أو المجالات المتاحة.
ختاما، لا تزال نسبة المشاركة في العمل التطوعي في المملكة تحتاج إلى مزيد من الفعالية، إذ يرتفع معدل التطوع في بعض الدول إلى 40 في المائة كما هو الحال في أستراليا أو كندا، وإلى 26 في المائة في اليابان على سبيل المثال. وبناء على ما سبق، هناك حاجة ملحة إلى بناء العمل التطوعي على إحصاءات دقيقة ودراسات جادة لتعظيم فائدة العمل التطوعي وزيادة مردوده على المجتمع، وتعد مبادرة الهيئة العامة للإحصاء لإجراء مسح العمل التطوعي خطوة في الاتجاه الصحيح. إضافة إلى ذلك، يبدو أن الحاجة ملحة إلى التوعية بمجالات العمل التطوعي وكيفية المشاركة فيه.

إنشرها