المسؤولية الاجتماعية .. خيرية أم اقتصادية؟

|


مسؤوليات الشركات أمام المجتمع غير ملزمة في كثير من دول العالم؛ وعلى الرغم من ذلك تضع بعض الدول توجيهات وسياسات ملزمة في قطاع الأعمال - ولاسيما مع شركات متعددة الجنسيات وشركات كبرى من مصارف ومؤسسات تمويل، وبشكل خاص عندما يكون عبء التنظيم منخفضا، مثل تدني الضرائب أو عدم إلزام المصارف بدفع فوائد لحسابات المودعين، التي تستخدم في القروض وإيجاد الائتمان لاحقا.
لا يزال مفهوم المسؤولية الاجتماعية يختلف باختلاف وجهات نظر الباحثين وأعتقد أن المنظور الاقتصادي قادر على تفسير المسؤولية الاجتماعية بدقة على مستوى التشخيص وتصميم وتنفيذ مبادراتها.
المسؤولية الاجتماعية لديها أربعة أبعاد، بعد اقتصادي وقانوني وأخلاقي وخيري، وأعتقد أن جميع الأبعاد تعد واضحة باستثناء الجانب الاقتصادي الذي يعد روح المسؤولية الاجتماعية الحقيقي.
يفترض بالشركات أن تؤدي دورا اقتصاديا في بيع خدماتها ومنتجاتها للمجتمع بطرق آمنة وأسعار عادلة ووفق مفاهيم الاستدامة، وليس الانتهاز ثم الخروج من الأسواق بعد تدميرها أو تدمير جزء من عناصر الاستدامة والمنافسة بأي شكل من الأشكال، وقد تكون هذه النظرة عميقة إلى حد ما.
صانع القرار في السياسات الاقتصادية يهتم بتلك النظرة العميقة ويرى أن الاقتصاد والمجتمع كتلة واحدة؛ وأن أي اختلال في الاقتصاد أو المجتمع يؤدي إلى مشكلات غير منظورة في المنظومتين الاقتصادية والاجتماعية معا؛ وهذا ما يفسر لنا كيف أننا نستمر في معالجة الأعراض ولا نعالج المرض.
موافقة مجلس الشورى على نظام الهيئة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية تأتي نقطة تحول كبرى في إدارة ملف المسؤولية الاجتماعية للشركات ونتطلع إلى إقراره من مقام مجلس الوزراء قريبا.
لقد كسب مجلس الشورى جولة ملف المسؤولية الاجتماعية واستطاع أن يجمع شتاتها من خلال نظام خاص بها للشركات، ونتطلع أن تدير هيئة المسؤولية الاجتماعية مهامها من خلال منظور اقتصادي وليس خيريا أو أخلاقيا؛ فالمسؤولية الاجتماعية للشركات في أصلها معالجة ضعف الاستدامة كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لأعمال الشركات، فمثلا عند ارتفاع أسعار المساكن بسبب كثافة التمويل فإن المسؤولية الاجتماعية هنا منح مساكن مجانية لبعض الأسر التي تأثرت في هذا الأمر، وينطبق كذلك عندما تقوم شركة بتوظيف أجانب على حساب سعوديين فإن مسؤولية الشركة الاجتماعية هي التعليم والتدريب كمسؤولية اجتماعية للمواطنين، بهدف الحصول على وظائف تحقق الاستدامة لها بدلا من الأجانب، وبهذا النسق ينطبق على جميع القطاعات الاقتصادية؛ لذا مسائل المسؤولية الاجتماعية يجب أن تدار وفق نظرة اقتصادية وليست خيرية لمعالجة الاختلالات القائمة أو المستقبلية.
أعتقد أن الهيئة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية، أمامها مهمة تحويل المسؤولية الاجتماعية الشكلية للشركات إلى مسؤولية اجتماعية تعالج أي اختلال حاصل أو متوقع مستقبلا من الشركات، ولن يحصل ذلك ما لم تكن النظرة للمسؤولية الاجتماعية اقتصادية وليست خيرية أو عبئا اجتماعيا كما تراه بعض الشركات.

إنشرها