منظومة التكافل الاجتماعي

|

لكل مجتمع أساليبه، وطرقه في تحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراده، وبين المكونات كافة، وقد تختلف الأساليب، والآليات حسب الظروف الاقتصادية من حيث الغنى، والفقر، الناجمان في الأغلب عن ثراء البلد وعدمه، وتوافر المصادر الطبيعية التي توفر فرص العمل وعدمها، حسب مهارات وقدرات الأفراد. ومجتمعنا كغيره من المجتمعات مارس، ويمارس التكافل الاجتماعي بعدة صور، حسب الظروف التي مر بها من حيث الوعي، والثقافة، والاتصال بالعالم الخارجي، والاستفادة من تجارب الآخرين، وأساليبهم في تحقيق التكافل الاجتماعي.
الزكاة، والصدقة، والأضاحي، وأعمال البر بصورها المختلفة هي المنطلقات الأساسية لتحقيق التكافل الاجتماعي، إذ إنها عبادات حث عليها ديننا الحنيف، ولا يكمل دين المرء إلا بها لمن يجب عليه أداؤها، حسب الشروط الشرعية، حيث الزكاة هي الركن الثالث في الإسلام، وقد حدد الشارع الفئات الواجب دفعها لهم "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم". وكثير يجتهد ويتحير فيمن يدفع زكاته له، إذ في السابق حين كانت التجمعات السكانية صغيرة يعرف الناس أحوال بعضهم بعضا، وتسهل معرفة من يستحق الزكاة، حسب الفئات المحددة شرعا، كما كان أئمة المساجد يقومون بدور التعريف بمستحقي الزكاة من أبناء البلد، أو الحي، ويقومون بدور الوسيط بين المزكي والمستحق، وكانت تسير الأمور وفق اجتهادات شخصية، وقد يستمر الفرد يدفع زكاته لعائلة رغم تحسن أوضاعها الاقتصادية، وخروجها من دائرة المستحقين.
بعدما اتسعت المدن، وكثر ساكنوها أصبح من الصعب معرفة المستحق، إذ قد يقطن الفرد في حي لا يوجد فيه من ينطبق عليه تعريف الفقير، وهو المحتاج المتعفف، أو المسكين المحتاج الذي يسأل. أما الفئات الأخرى فربما يسهل تحديدها من خلال الوثائق المثبتة لوضع الفرد، لذا نشأت الحاجة إلى استحداث الجمعيات الخيرية المتخصصة في تفقد أحوال الناس في الأحياء التي توجد فيها الجمعيات الخيريه لقربها من الناس، ومعرفة ظروف كل عائلة من حيث اليتم، والترمل، والمرض، والبطالة، وغيرها من المعلومات المعينة على تحديد المستحقين للزكاة.
البعض يدفع زكاته عن طريق مصلحة الزكاة، وهي بدورها تضخ أموال الزكاة في برنامج الضمان الاجتماعي، إلا أن هذا البرنامج معرض لدخول ضعاف النفوس فيه من غير المستحقين، وقد تم استبعاد الآلاف من برنامج الضمان الاجتماعي بعد ثبوت عدم استحقاقهم. ما من شك أن هذه تطورات جيدة لكننا نحتاج إلى مزيد من الأفكار الإبداعية في هذا المجال، ولعل من أهم الأفكار في مجال إطلاق سراح المديونين برنامج التبرعات «فرجت» الذي أطلق خلال شهر رمضان المبارك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واستفاد منه كثيرون حسب ما تم تناقله.
زكاة الفطر تمثل عبادة تدفع لمستحقيها، حسب الشروط الشرعية، إلا أن البعض يجد صعوبة في آلية إخراجها للأسباب التي تمت الإشارة إليها في زكاة المال، وقد كانت الجمعيات الخيرية تستقبلها، وتقوم بإيصالها لمستحقيها في السنوات الماضية، إلا أن بعض الجمعيات الخيرية تخلت عن هذا الدور في رمضان الفائت مما أربك كثيرا من الناس. وقد اقترحت إحدى الجهات العاملة في مجال العمل الخيري فكرة جيدة، حيث تتلقى زكاة الفطر نقودا لتشتري بها أرزا، وتمرا، ودقيقا لتحصل الأسرة على ثلاثة أنواع من الأطعمة الرئيسة، ذات الفائدة الغذائية، وذات الاستخدامات المتعددة.
الأضاحي تمثل شعيرة نحقق من خلالها شيئا من التكافل الاجتماعي، حين تصل لمستحقيها، سواء داخل الوطن، أو خارجه، وفي مشروع المملكة للهدي والأضاحي خير دليل على إمكانية التوسع في أعمال البر كافة إلى مجتمعات أوسع من المجتمع الضيق الذي يعيش فيه المضحي، سواء كان حيا أو مدينة، الذي قد لا يوجد فيه من تتحقق فيه شروط الاستحقاق.
سقيا الماء، وتوفيره للمحرومين منه بحفر الآبار، أو بجلبه إليهم بأي طريقة كانت يمثل عملا خيريا، ليس على مستوى الأفراد، بل على مستوى المجتمع، حيث تنتعش الزراعة، ويقوى الاقتصاد على المستوى المحلي، وتتحسن ظروف الناس المعيشية، والصحية "وجعلنا من الماء كل شيء حي".
يتفشى بعض الأمراض في بعض المجتمعات، بسبب سوء التغذية، وقلة النظافة، وعدم محاربة الفيروسات، والحشرات الناقلة للأمراض، ولذا فإن من أعمال البر التطوع لعلاج الناس من عللهم التي تفتك بهم، وهذا ما يقوم به بعض الأطباء في الداخل، وكذا في الخارج، حيث تنطلق الحملات الطبية إلى حيث يوجد المرضى الذين لا يملكون ما يعالجون به أنفسهم. ما من شك أن هذه الأعمال تمثل منظومة أعمال خيرية يضطلع بها أفراد ومؤسسات، وتتكامل الجهود لتحقق مفهوم خيرية هذه الأمة.

إنشرها