هل يعمل القطاع العام مثل القطاع الخاص؟ «2»

|

استكمالا للمقال السابق حول الفروقات بين القطاعات الثلاثة العاملة في الدول وهي القطاع العام، والقطاع الخاص والقطاع غير الهادف للربح. يتركز الحديث هنا عن القطاعين العام والخاص، حيث إنهما محور الأساس في الفروقات بين الدول من حيث الكفاءة والتأهيل والتأثير وتحقيق المنجزات. البعض يرى ويصر على أن موظف القطاع الخاص أفضل من موظف القطاع العام، وأكثر تأهيلا وبالتالي أكثر فعالية وإنتاجية من الآخرين. والحقيقة أن هذا الأمر غير صحيح على إطلاقه، وهذا ما أحاول إظهاره في هذا المقال.
يجب أن يدرك المتحدث في هذا الأمر أهم الفروقات بين القطاعين العام والخاص. ومستوى الخدمات المقدمة من كلا القطاعين، وبالتالي مستوى الصلاحيات والمهام التي يمكن للموظف أن يتحرك فيها. القطاع العام قطاع خدمي تغلب عليه النمطية، والمنهجية التي تقلل فرص الإبداع والتطوير لدى الموظفين. يعاب على القطاع العام عدم الاهتمام بالقدرات البشرية التي يحتاج إليها العمل، ما يتسبب في تكوين أشكال مختلفة من البطالة وبالتالي قد يؤدي لظهور حالات الفساد المتمثلة في الفساد الإداري وتحقيق المصالح الخاصة. التطوير التنظيمي في القطاع العام بطيء وثقيل ويأخذ سنوات طويلة، وهذا أحد أسباب الانطباع عن ضعف إنتاجية موظف القطاع العام.
من ناحية كفاءة الأفراد، الواقع يقول إننا في هذا العصر نملك كفاءات مؤهلة جدا تعمل في القطاع العام، وتتفوق أحيانا على الكفاءات المتوافرة في القطاع الخاص. المستوى التعليمي لموظفي القطاع العام ارتفع بشكل ملحوظ في العقود الماضية، وتشير الإحصاءات إلى أن ما يزيد على 57 في المائة من موظفي القطاع العام يحملون الشهادة الجامعية أو أعلى منها. إضافة إلى أن حجم الإنفاق على التأهيل والتدريب يعد عاليا ومستمرا.
في وقت مضى كانت الهجرة من القطاع العام إلى القطاع الخاص تمثل هاجسا، حيث يفقد القطاع العام عددا من الموظفين الذين تم تأهيلهم وتدريبهم للعمل في القطاع الخاص. وهنا يجب التأكيد على أن هذا لا يمثل خسارة على المستوى الوطني فالقطاعات مكملة لبعضها، والتنمية تتطلب وجود الخبرات والتنقل بين بيئات العمل يعد أمرا جيدا لمصلحة العمل. وفي هذا الوقت ومع احتياج القطاع العام لوجود خبرات مؤهلة مارست العمل في القطاع الخاص ولنقل الخبرات فإن الواقع يتطلب وجود استقطاب لكفاءات من القطاع الخاص للعمل في القطاع العام من أجل تحقيق المنفعة. لكن هذا يجب ألا يكون سببا لاعتقاد البعض أن موظفي القطاع العام غير مؤهلين وغير قادرين على إدارة وتطوير الأعمال.
الدول المتقدمة التي يغلب عليها النظام الرأسمالي تعتمد كثيرا على القطاع الخاص كمحرك اقتصادي مهم. وتملك أنظمة حوكمة متقدمة لتوفير بيئة تنظيمية ملائمة لعمل القطاع الخاص، وتقدم خدماتها من خلال قطاع عام يستطيع تحفيز القطاع الخاص من أجل مزيد من الإبداع والإنتاجية، وتملك قطاعا خاصا جاذبا للعاملين ويحقق استدامة واستقرارا يتناسب مع الجهد المقدم.
فكرة أفضلية موظفي قطاع على غيرهم غير واقعية، وتسبب كثيرا من الخذلان لموظفي القطاع العام. عناصر الكفاءة متوافرة لدى الجميع، وما يخدم موظفي قطاع على الآخر هو مستوى التنظيم والإبداع المتاح لذلك القطاع، ويجب أن نؤمن بمفهوم الاختلاف بين مستوى الخدمات والمنتجات في جميع القطاعات، وهي التي تحدد نجاح الأفراد فيه.

إنشرها