الإرهاب الإيراني العالمي

|


"أجرينا التقييم الاستخباراتي، ونحن شبه متأكدين، أن إيران تقف وراء الهجمات على الناقلتين"
جيرمي هانت، وزير خارجية بريطانيا

كان مهما التأكيد البريطاني أن النظام الإيراني يقف وراء الهجمات على الناقلتين في خليج عمان. فحكومة لندن التزمت، منذ انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق النووي الهش، بالموقف الأوروبي الهلامي (إن جاز القول)، ذلك الموقف المدفوع بحلم إمكانية إعادة تأهيل النظام في طهران. علما بأن بعض هؤلاء الأوروبيين لا يزالون يحلمون، متجاهلين الحقائق الموجودة على الأرض. ولذلك، فقد حاولوا مساعدة نظام علي خامنئي ماليا عن طريق آلية بائسة لم توفر له شيئا. لماذا؟ لأن العقوبات الأمريكية أقوى وأكبر وأشد عنفا، ولا يمكن لأي آلية الوقوف في وجهها، ناهيك عن خوف المؤسسات الأوروبية نفسها من الغضب الأمريكي المعلن للجميع، حيال من تسول له نفسه التعامل مع هذا النظام، ونجدته من ضربات العقوبات.
الأوروبيون الآخرون لا يزالون صامتين حول العدوان الإيراني على الناقلتين المشار إليهما، والهجمات التي استهدفت أربع ناقلات الشهر الماضي في المياه الإماراتية. وباستثناء بعض التصريحات المتواضعة، لا أحد كان واضحا كما هو حال الموقف البريطاني. لندن أرسلت بالفعل 100 جندي من مشاة البحرية إلى مياه المنطقة، كتعبير على قناعتها بأن إيران تقف وراء هذا التخريب الخطير، الذي يستهدف في الواقع إمدادات الطاقة العالمية. دون أن ننسى التهديدات "العنترية" المتواصلة لعدد من مسؤولي النظام في إيران، بقدرتهم على إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية. دعك من نفي طهران أي دور في الهجمات الأخيرة. فاللص لا يعلن عن سرقاته واعتداءاته، يضاف إلى ذلك، أن ما تقوم به ليس إلا جزءا أصيلا من إرهاب الدولة الذي تمارسه منذ عقود.
الإرهاب الإيراني ليس إقليميا، بل هو دولي فاضح، ودخل في مسارات يصعب على النظام الحاكم الخروج منها. فهو لم يترك له صديقا يمكنه الاستناد إليه، إلا حفنة من بلدان تحكمها سلطات مارقة. وهذه الأخيرة - كما النظام في إيران - تعاني عزلا دوليا متصاعدا، بينما لا تزال طهران منشغلة في تدخلاتها التخريبية في غير بلد في المنطقة، وماضية في تمكين خلاياها الإرهابية هنا وهناك، بما في ذلك الساحة الأوروبية والأمريكية نفسها. ولا تبدو في الأفق أي إشارة لإمكانية التهدئة من الجانب الإيراني. فكل ما يعرف هو القيام بأعمال إرهابية وهجمات على مصالح مدنية دولية، والتدخل في بلدان لم تشكل يوما تهديدا ولو بسيطا لإيران. ولا يوجد صوت عاقل في هذا البلد، وإن وجد فهو إما معتقل أو مبعد أو تم التخلص منه بصورة أو بأخرى.
المشهد الآن خطير جدا في المنطقة. فالمجتمع الدولي لن يترك هجمات إيران على الناقلات تمر هكذا، والمسألة تتعلق بالمصداقية الدولية في الوقت الراهن، والإدارة الأمريكية ماضية قدما في محاسبة النظام الحاكم في طهران، على الرغم من أنها لم تغلق الباب أمام أي مفاوضات ممكنة معه، ولكن بالشروط الواقعية، لا تلك التي يطلقها مسؤولون إيرانيون، لا يكادون يستطيعون النوم من فرط خوفهم. فالبطولات الصوتية ليست إلا فقاعات تطلقها أنظمة مارقة. شهدنا ذلك في التاريخين القديم والحديث. كما أنها مكشوفة للجميع، وأولهم الشعب الإيراني نفسه، الذي يتلقى الضربات الأولى والأكبر لاستراتيجية الخراب التي ينتهجها نظامه. فالعقوبات المتدرجة أظهرت مرة أخرى مدى هشاشة البلاد اقتصاديا، كما أنتجت مشهدا اجتماعيا مروعا.
لنترك جانبا آراء بعض تلك الجهات الأوروبية التي تحاول تخفيف الجريمة الإيرانية الأخيرة في الخليج العربي. إيران ضبطت متلبسة، وليس غريبا عليها أن توجه لها أصابع الاتهام. كان ولا يزال لها تاريخ في مثل هذه الأعمال العدوانية، ناهيك بالطبع عن تهديداتها الرسمية باستهداف الملاحة. هذه التهديدات وحدها تضعها أمام محاسبة المجتمع الدولي كله. ورغم كل ما يحدث، إضافة إلى الحقائق التي لا يرقى إليها الشك، لا تزال المملكة، مثلا، متمسكة بعدم رغبتها في نشوب حرب في المنطقة. فهي تنطلق من مسؤولياتها الدولية المعروفة. غير أنها في الوقت نفسه لن تتردد في الدفاع عن سيادتها. فخطوطها الحمراء بهذا الخصوص لا تخطئها العين، والعالم نفسه صار أمام مسؤولياته، ولا مجال لسماع "نشاز" سياسي أوروبي أو غير ذلك.
لا شيء سيحمي إيران حقا، إلا بانصياعها لمعايير المجتمع الدولي. فتحالفاتها البائسة، لن تجلب لها سوى مزيد من الخراب، خصوصا بعدما أدخلت نفسها في مواجهة مع العالم مباشرة. استراتيجية "قطاع الطرق" التي ينتهجها نظام علي خامنئي، ستودي به إلى الهاوية التي لا قرار لها، وهو لا يملك أي قاعدة شعبية حقيقية في بلاده. هو في الواقع نظام يقف كل يوم بصورة مختلفة ضد قاعدته الشعبية هذه، التي سئمت من استراتيجية أفقرتها وزادت من مآسيها وبؤسها، وعزلها عن شعوب العالم.

إنشرها