منوعات

روسيا والصين ضد أمريكا .. تحالف مع غياب الاسم

في وقت تصر فيه الإدارة الأمريكية الجديدة على فتح جبهات صراع جديدة، مع الحلفاء قبل الخصوم، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية. تتجه كل من موسكو وبكين، عدويها اللدودين، نحو رأب الصدع، ووأد مواطن الخلاف بينهما، وتقريب المواقف، وتليين وجهات النظر سعيا نحو توحيدها في المستقبل المنظور بشأن الملفات الإقليمية والقضايا الدولية الساخنة.
هذا ما كشفت عنه بوضوح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج روسيا بداية الشهر الجاري، بمناسبة مرور الذكرى الـ70 على قيام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. زيارة وصف فيها الزعيم الصيني العلاقة بين بكين وموسكو بالأفضل تاريخيا، مذكرا بأن الاتحاد السوفياتي كان أول بلد يعترف بالصين الشعبية غداة إعلانها في عام 1949، بعد نجاح الثورة الشيوعية.
تعد هذه ثامن زيارة لشي جين بينج إلى روسيا منذ عام 2013، فيما التقى الزعيمان على مدار السنوات الست الماضية 30 مرة تقريبا. يأتي كل هذا في وقت تعاني فيه العلاقات بين الولايات المتحدة والبلدين توترات متلاحقة، بسبب تصاعد حدة الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، التي كان آخر فصولها الحملة الدولية لتشجيع مقاطعة العملاق التكنولوجي الصيني "هواوي". وتزايد نطاق العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا، نتيجة غزوها جزيرة القرم، وقيام شكوك عن مساعي روسية للتأثير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. كل ذلك أسهم في تقريب الخصمين حتى باتت الأوساط الإعلامية في البلدين تتحدث عن تحالف استراتيجي غير معلن.
تحدي القوة والهيمنة الأمريكية
دفعت هذه التطورات المراقبين في الأوساط الغربية إلى التحذير من إمكانية تجاوز القوتين الكبريين في آسيا حالة عدم الثقة التي طبعت علاقاتهما، منذ الشقاق الكبير بين ماو تسي تونج وخروتشوف في خمسينيات القرن الماضي، نحو بناء تحالف استراتيجي على أساس براجماتي. وقد سبق لإدارة الرئيس ترمب أن أشارت لذلك، في وثيقة نشرت أواخر السنة الماضية، تحت اسم "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي"، جاء فيها أن "الصين وروسيا تتحديان قوة وتأثير مصالح أمريكا.. وثمة تحالف صيني- روسي استراتيجي في طريقه للبروز على أرض الواقع".
كانت شهادة دان كوتس مدير المخابرات الوطنية الأمريكية، أمام الكونجرس في شهر فبراير (شباط) الماضي بمنزلة تأكيد لما يجري اليوم، وإثبات لما ورد في الوثيقة، حين تحدث عن جدية التقارب الصيني- الروسي، وتوجهه نحو تحالف استراتيجي، يتحدى القيادة الأمريكية للعالم، ويسعى إلى فرض نظام دولي جديد متعدد الأقطاب خلفا للنظام القائم حاليا.
ما يحدث الآن مجرد تراكم لمسلسل تعاون انطلق منذ سنوات بين الدب الروسي والتنين الصيني، بعيدا عن أعين النسر الأمريكي الذي استخف بعديد من الخطوات التي سبقت بلوغ محطة التحالف الاستراتيجي.
كان للبعد الشخصي في العلاقة بين الرئيسين بينج وبوتين ممثلا في معاداتهما للقيم الليبرالية داخل بلديهما، ورغبتهما في التصدي للنفوذ الأمريكي تأثير كبير في الدفع بهذا التحالف قدما نحو الأمام.
بدا هذا جليا في التنسيق بين البلدين بشأن القضايا الإقليمية الدولية، فمواقفهما تكاد تكون جد متقاربة في عديد من الملفات، بدءا من البرنامج النووي لكوريا الشمالية، ثم النزاع في سورية والأزمة الفنزويلية، وأيضا الاتفاق النووي الإيراني.. مع الإشارة إلى تبادل في الأدوار بين هذا الملف وذاك. فعلى سبيل المثال، تسجل الأفضلية للصين في تدبير الملف الكوري الشمالي، مقابل منحها لروسيا فيما يتعلق بالقضية السورية.
شكلت الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 نقطة تحول محورية بين القوتين، فعقب الانهيار المتتالي لأسعار السلع والطاقة أضحت الصين الشريك التجاري الأول لروسيا عوضا عن ألمانيا. وجاء عام 2014 حيث أعلنت روسيا بداية عصر جديد في الجغرافيا السياسية؛ على غرار ما حدث في الحرب الباردة، بضم شبه جزيرة القرم. تلاه اعتماد اليوان الصيني كعملة احتياطية في صندوق النقد الدولي، وقد شجع هذه المقايضة بين البلدين باعتماد العملة المحلية (الروبل/ اليوان)، بعيدا عن حرب العملات التي قد تنتج عند استخدام الدولار.
لم ينقل البلدان من موقع الدفاع نحو الهجوم على الصعيد الدولي إلا بعد تحصين وضعيتها بتولي القيادة في منظمات إقليمية ناشئة، تضع حدا للهيمنة الأوروأطلسية على المشهد الدولي. لذا رعى البلدان؛ بمعية أربع دول أخرى، مبادرة إنشاء منظمة شنغاي للتعاون عام 2001، التي انضمت إليها حديثا (2017) كل من الهند والباكستان. كما طورا تنسيقهما في إطار مجموعة "بريكس" التي تأسست عام 2006 (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا).

تحالف قديم بقواعد جديدة
إن أكبر إشكال يواجه هذا التحالف القديم المتجدد هو قدرة تحالف قائم على أسس براغماتية على الصمود طويلا في وجه الإمبراطورية الأمريكية. بصيغة أخرى، هل بمقدور البلدين تجاوز البراجماتية نحو شراكة قوامها بناء تحالف حقيقي، بينهما من أجل وضع حد للهيمنة الأمريكية؟
واقعيا، تكشف المعطيات أن نظرية توازن القوى التقليدية ترجح كفة الولايات المتحدة في موارد الطاقة، ما يستوجب أن تقابله شراكة صينية- روسية. تجد أساسها في الشراكة التاريخية بين الصين والاتحاد السوفياتي ضد الولايات المتحدة، التي أنهاها انفتاح الرئيس ريتشارد نيكسون على الصين في عام 1972، للحد مما اعتبرتاه صعودا خطيرا لقوة الاتحاد السوفياتي.
لكن النظرية الواقعية في السياسة الدولية غالبا ما تواجه بحقائق ومعطيات الميدان، فالتحالف بينهما لمواجهة واشنطن يحمل في طياته خلافات جوهرية بشأن التموقع وتوزيع النفوذ؛ فالصين منتشية بمنجزات الزحف الاقتصادي والتجاري العالمي، فيما تتشبث روسيا بأمجاد وشرعية الاتحاد السوفياتي وقبله روسيا القيصرية.
إن الصين اليوم في وضع أقوى من أي وقت سابق، لذا من غير المرجح أن تسمح لروسيا بمزاحمتها في قمرة قيادة العالم مستقبلا، وهذا ما يظهر بوضوح في الصراع القائم بينهما حول بسط النفوذ في جمهوريات آسيا الوسطى، التي تعدها الصين طريقها نحو العالمية، بعدما احتلت حيزا كبيرا من اهتمام بكين في إطار "مبادرة الحزام والطريق".
اقتصاديا، تبقى روسيا قزما مقارنة بالصين التي يبلغ حجم اقتصادها تسعة أضعاف حجم الاقتصاد الروسي تقريبا (1,6 تريليون دولار لروسيا مقابل 13,5 تريليون دولار للصين). تسير بكين بثبات لتصبح قوة اقتصادية وصناعية عظمى، نقيض موسكو التي تعتمد على الريع المتأتي من تصدير النفط والغاز.
تفيد التوقعات بأن القوة العسكرية التي تحسب لروسيا اليوم، قد تفقدها قريبا بسبب حجم الإنفاق العسكري الصيني. فهذه الأخيرة تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، بحجم إنفاق بلغ نحو 250 مليار دولار سنة 2018، فيما لم يتجاوز الإنفاق العسكري الروسي ربع هذا المبلغ تقريبا (61,4 مليار دولار).
كان الرهان الروسي على الرئيس ترمب لتحقيق اختراق استراتيجي في العلاقة مع واشنطن لمواجهة بكين، لكن ذلك لم يتحقق مادفعها للانعطاف نحو الشرق لإقامة تحالف هناك. خلافا لما كان عليه الوضع في فترة الحرب الباردة، يرجح أن يصمد هذا التحالف في المدى المنظور، شريطة قبول موسكو لعب دور الشريك الأصغر لبكين، نظرا للفجوة المتزايدة في الإمكانات والقدرات بين البلدين.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من منوعات