FINANCIAL TIMES

المستوى «المحايد» لأسعار الفائدة مرشح للبقاء طويلا

في الأسبوع الماضي طلبت من مجموعة من العاملين في صناعة المال خلال مؤتمر في نيويورك أن يتوقعوا المسار الذي ستتخذه أمريكا في مجال أسعار الفائدة. كانت النتائج واضحة بشكل قاطع.
قال أكثر من تسعة أعشار أولئك المستثمرين إنهم يفترضون الآن أن الخطوة التالية التي سيتخذها الاحتياطي الفيدرالي ستتمثل في خفض أسعار الفائدة بدلا من زيادتها. علاوة على ذلك، توقع ثلاثة أرباع المجموعة المستهدفة حصول التخفيض مرتين أو ثلاث مرات على أسعار الفائدة خلال العام المقبل.
من ناحية أخرى، تعتقد وول ستريت أن دورة أسعار الفائدة قد تحولت – بمنتهى القوة. وهذا أمر مثير للذهول، نظرا لأنه قبل شهر واحد فقط كانت سوق العقود الآجلة تنطوي على احتمال بمعدل واحد إلى ثلاثة أن يتم تخفيض أسعار الفائدة هذا العام (وقبل ستة أشهر، كان كثير من المستثمرين يتوقعون مزيدا من الزيادات في أسعار الفائدة).
في الواقع، من الصعب تذكر وقت قريب تغيرت خلاله المشاعر بهذا القدر، وبهذه السرعة في سوق سندات الخزانة الأمريكية - أو ليس من دون حصول ركود ملموس أو انهيار مالي.
لماذا؟ التفسير البدهي هو الأساسيات الاقتصادية. من المؤكد أن هذه الأساسيات لعبت دورا. مثلا، تراجع الناتج الصناعي الأمريكي والإنفاق الرأسمالي بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، ويكاد يكون من المؤكد أن ذلك نتيجة للحروب التجارية. في الشهر الماضي، وصل مؤشر مديري المشتريات إلى 50.5، أدنى قراءة له خلال عشر سنوات تقريبا.
مع ذلك، ليست الاقتصاديات هي التفسير الوحيد. لاحظ أنه تبين أيضا خلال الشهر الماضي أن المستهلكين الأمريكيين يشعرون بثقة أكبر في الاقتصاد عن أي وقت مضى منذ عام 2000، ولا يزال الإنفاق لدى الأسر قويا بشكل معتدل، لأن معدل البطالة وصل إلى أدنى مستوى له منذ 50 عاما. وهذا ليس من السهل مواءمته مع تخفيضات أسعار الفائدة.
لذلك إن كنت تريد تفهم هذا التحول في المشاعر، أعتقد أنك بحاجة إلى تجاوز البيانات الاقتصادية الثابتة والوصول إلى بعض العوامل النفسية "اللينة". أحد تلك العوامل هو العامل الجيوسياسي، أو بشكل أدق الحقيقة التي مفادها أنه يبدو أن المستثمرين يتعرضون لضغط متزايد للتنبؤ بالمخاطر المرتبطة بمختلف الحروب المحتملة الآخذة في النشوب في كل أنحاء العالم، سواء كانت تجارية أو عسكرية - ناهيك عن احتسابها.
ويجدون أيضا أن من الصعب عليهم تحديد تأثير بعض السيناريوهات السياسية الغربية، بما فيها تلك التي ينتهي المطاف فيها بأن زعيم حزب العمل جيرمي كوربين، أحد دعاة النزعة القومية، يتولى السلطة في المملكة المتحدة، أو تصبح فيها إليزابيث وارن، التي تفضل القوانين التنظيمية القوية، هي المرشحة الديمقراطية للرئاسة في الولايات المتحدة، أو أن تكتسب الجماعات المعادية للمؤسسة السياسية مزيدا من الهيمنة في أوروبا القارية. قال أحد أعلام القطاع المالي معترفا الأسبوع الماضي: "عندما تنظر لجنة الاستثمار لدينا في البدائل المتاحة، يبدو انتصار دونالد ترمب في عام 2020 أمرا تقليديا تقريبا".
من جانبها ذكرت "بيمكو" في نشرتها الأخيرة عن الآفاق طويلة الأمد أن "التحدي الشعبوي الذي يشكله جانبا الطيف السياسي يمكن أن يتسبب في ظهور نتائج سلبية أو إيجابية في الاقتصاد والأسواق المالية". وهذا تعبير رمزي يقصد به أنه "لا أحد يعلم"- وعادة ما يرد المستثمرون على مثل هذا الغموض بشراء السندات.
عامل نفسي آخر هو الغموض بشأن عوامل اللبس حول الاحتياطي الفيدرالي نفسه. هذا العام كان هناك وابل من التكهنات حول ما إذا كان جاي باول، رئيس المجلس، سيرضخ لمطالب ترمب المتمثلة في تخفيض أسعار الفائدة. مع ذلك، ليست الملحمة السياسية سوى جزء من هذه الحكاية.
ما يعد أكثر إثارة للاهتمام أن الاحتياطي الفيدرالي شرع أخيرا في إجراء مراجعة داخلية كبيرة للعملية التي يستخدمها في رسم السياسة. وبعض التحليلات التي أجراها هي تحليلات فنية بشكل مؤلم. مع ذلك، تتوقع شركة بلاك روك أن "الاحتياطي الفيدرالي يمكن أن يعلن تغييرات كبيرة في نهج سياسته النقدية مطلع العام المقبل".
وحقيقة أن هذه المراجعة قد بدأت أصلا تكشف عن نقطة مهمة: خلف الكواليس، هناك اقتناع متزايد في الاحتياطي الفيدرالي بأن التغييرات الاقتصادية الهيكلية - مثل التركيبة السكانية والابتكار الرقمي - ستُبقي التضخم منخفضا في الولايات المتحدة لفترة زمنية طويلة. إن حصل ذلك، سيبقى ما يسمى المستوى "المحايد" من أسعار الفائدة الذي لا يحفز ولا يقيد الاقتصاد منخفضا جدا لفترة زمنية طويلة. علق أحد المسؤولين المخضرمين في الاحتياطي الفيدرالي أخيرا، قائلا: "ربما لن نرى مرة أخرى خلال حياتنا المهنية أسعار الفائدة التي اعتدنا أن نعتبرها أسعارا طبيعية". لا عجب في أن يعيد المستثمرون تقييم الآفاق.
ربما يظل بإمكان مؤرخي المستقبل الاستفادة من هذا التقييم. علينا أن نلاحظ أن هناك عددا كبيرا من الحالات التي أعلن فيها الاقتصاديون من قبل أن "الأمر مختلف هذه المرة" ومع ذلك لم تنته الأمور على خير. كما تذكر "بيمكو" في توقعاتها الأخيرة، قد يكون من السابق لأوانه افتراض أن التضخم قد تلاشى للأبد.
لكن في الوقت الراهن، الرسالة من المستثمرين واضحة: نحن بصدد الدخول في حقبة "حق خيار البيع على غرار باول"، عندما يتم تشكيل الأسواق من خلال افتراض أن الاحتياطي الفيدرالي سيفعل كل ما بوسعه وكل ما يلزم لتجنب التعرض للركود. من الأفضل أن نرجو أن تنتهي هذه الملحمة بشكل أفضل من "حق خيار البيع على غرار جرينسبان" في التسعينيات، عندما ساعد رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنئذ، ألان جرينسبان، في تهيئة الظروف لحصول الأزمة المالية في عام 2008.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES