أخبار اقتصادية- عالمية

بعد انتقادات ترمب لدول اليورو .. مخاوف من اندلاع حرب عملات مفتوحة

هل بات على الجميع اتخاذ التدابير الضرورية لمواجهة حرب العملات المقبلة؟، أم أن الحديث عن حرب عملات قضية مفتعلة لا تتجاوز حدود التهديد والوعيد؟، هل يمكن أن ينجر الاقتصاد العالمي، سواء بقصد أو من غير قصد إلى حرب عملات مفتوحة متعددة الجبهات، أم أن القادة الدوليين يدركون مخاطر المجازفة، والعواقب الوخيمة التي ستصيب الجميع، إذا انزلقوا إلى حرب العملات؟، وهل يوجد آليات دولية حقيقية تحول دون وقوع الاقتصاد الدولي في فخ حرب العملات، أم أن المؤسسات المالية الدولية وهيكل الاقتصاد العالمي يعجز عن الحيلولة دون الانجراف في اتجاه هذا النوع من الصراعات؟.
ورغم أن الحديث الذي يشوبه الخوف والقلق بشأن إمكانية تحول الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين إلى حرب عملات، يبرز على ساحة النقاشات الدولية من حين إلى آخر، إلا أن تغريدة كتبها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منتصف الأسبوع الماضي على "تويتر" وجاء فيها: "اليورو وعملات أخرى يجري خفض قيمتها مقابل الدولار، ما يجعل الولايات المتحدة في وضع غير موات بشكل كبير"، أثارت مخاوف حقيقية بأن هناك أرضية لإمكانية اندلاع حرب عملات على نطاق واسع.
فحديث الرئيس الأمريكي يشير بشكل واضح إلى الاتحاد الأوروبي وآخرين، ربما تكون من بينهم اليابان أيضا، التي سبق واتهمها ترمب خلال حملته الانتخابية بالتلاعب بقيمة الين لدعم صادراتها.
كما أن الأمر لا يقتصر على الاقتصادات الكبرى، ففيتنام وسنغافورة وماليزيا ودول آسيوية أخرى تدخل ضمن القائمة الأمريكية للحكومات التي تتلاعب بأسعار صرف عملتها لتعزيز صادراتها.
وتقول لـ"الاقتصادية"، الدكتورة ماجي كريس، أستاذة التجارة الدولية في جامعة أكسفورد، إن "حرب العملات إذا اندلعت فإنها ستتضمن مظهرين جديدين تلك المرة. فهي أولا لن تشمل حرب عملات المتنافسين الاقتصاديين فحسب، بل ستندلع بين الحلفاء أيضا، فاتهام الرئيس ترمب للاتحاد الأوروبي أكبر شريك للولايات المتحدة، بأنه يتلاعب عمدا في سعر صرف اليورو، يعني عمليا أن هذا النوع من الحروب سيكون شديد الشراسة، وسيصعب تصور أي تحالفات فيه، إذا ما انحدر إليه الاقتصاد العالمي، ومن ثم ستكون التكلفة الكلية شديدة الارتفاع".
وعن المظهر الآخر لتلك الحرب، تضيف كريس "أن التصورات السابقة بأن الاقتصادات الناشئة قد تخرج من تلك الحرب وقد حققت مكاسب ملموسة من تطاحن الكبار، هذا الأمر محض أوهام، إذ ربما تكون الاقتصادات الناشئة الخاسر الأكبر، وربما تتشكل بعض التحالفات بين الاقتصادات المتطورة بهدف توجيه ضربات قاسية للاقتصادات الناشئة.
وبالفعل، فإن إضافة الولايات المتحدة سنغافورة وماليزيا وفيتنام إلى قائمة المتلاعبين المحتملين بالعملات، أثار مخاوف أغلب المسؤولين الاقتصاديين في تلك البلدان، بل وقلق الكثير من الشركات الدولية.
وتشير كريس إلى أن "أغلب قادة تلك البلدان ظنوا أنهم سيخرجون رابحين من النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، وأن الشركات الدولية التي تستثمر المليارات في الصين، ستحول استثماراتها إلى تلك البلدان بعد تدهور العلاقات التجارية مع واشنطن ورفع الرسوم الجمركية بين البلدين، لكن وضعهم على القائمة الأمريكية كشف لقادة تلك البلدان وللشركات الدولية، أن الإدارة الأمريكية ستمارس ضغوطا على تلك الدول، ما يجعل الاستثمار فيها محفوفا بالمخاطر".
ومع هذا، يمكننا القول إن وضع تلك الدول على قائمة المراقبة الأمريكية، لا يعني أنه سيتم معاقبتها، إلا أنه يوجد ضغوطا إضافية عليها.
ويقول لـ"الاقتصادية"، وايت سميث، الاستشاري السابق في وزارة المالية البريطانية، والخبير المصرفي في مجموعة لويدز المصرفية، إن "فيتنام وماليزيا تدخلان ضمن البلدان العشرة الأوائل التي تتمتع بأكبر فوائض تجارية مع الولايات المتحدة، أما سنغافورة فتعاني عجزا تجاريا مع واشنطن، وفي الأغلب تتبنى واشنطن تلك السياسات لزيادة صادراتها لتلك البلدان".
لكن ما يعتقد البعض أنه تهديدات أمريكية متعمدة ضد عديد من البلدان بأنها تتلاعب في أسعار صرف عملتها، ما أدى إلى ارتفاع فوائضها التجارية مع الولايات المتحدة، يمكن أن يتحول إلى حرب حقيقية إذا أقدمت وزارة المالية الأمريكية على خطوات أحادية الجانب ذات طابع عقابي تجاه تلك الاقتصادات، بل يمكن أن يتبلور المشهد الاقتصادي في سيناريو يعتقد البعض أنه سيكون الأكثر واقعية بالنسبة لعديد من الاقتصادات الآسيوية الناشئة، إذا تصاعدت عليها الضغوط الأمريكية.
كولين فيريث الباحث والخبير في الاقتصاد الآسيوي يرسم تفاصيل هذا السيناريو لـ"الاقتصادية"، قائلا إن "المتحدث باسم الخارجية الصينية دعا الولايات المتحدة نهاية الشهر الماضي إلى احترام الحقائق والقوانين الاقتصادية، وعدم تسييس سعر الصرف، وعدم إجراء تقييمات أحادية الجانب لتبادل العملات، وفي الواقع فإن هذا الخطاب لم يكن يستهدف واشنطن، بقدر أنه يبعث برسائل واضحة للبلدان الآسيوية الأخرى للالتفاف حول الصين في تلك القضية، والتصدي المشترك لأي ضغوط أمريكية عليهم بشأن تلاعبهم في أسعار الصرف".
لكن مخاوف بعض الخبراء الاقتصاديين من تحول الحرب التجارية الراهنة إلى حرب عملات، يكشف أحد العورات الأساسية في هيكل الاقتصاد العالمي، ويصفها البروفيسور بين بيتر أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة أكسفورد "بالثغرة الكبرى".
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أنه "لا توجد آليات أو ميكنزمات (مبررات) ذات قبول عام مشترك من المجتمع الدولي، يمكن أن تحسم أي خلاف أو جدل بين الدول بأن هناك تلاعبا في أسعار الصرف، حتى المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد أو البنك الدولي، فإن أقصى ما يمكن أن يصدر عنها في هذا الصدد مجرد مقترحات غير إلزامية أو موقف يدعم اتهامات جهة من الجهات أو ينفيها، لكن لا يوجد آلية تجبر الجميع على الالتزام بما تخلص له من نتائج".
ويتابع البروفيسور بيتر، أنه "إذا كان هذا يصب بالأساس في مصلحة الدول الكبرى، فإنه يترك الاقتصادات الناشئة في حالة من الضعف في مواجهة الاتهامات التي قد تسوقها الاقتصادات المتقدمة تجاهها، فإن هذا القصور اتضح الآن عندما غابت آليات التنسيق بين الاقتصادات المتقدمة، ما جعلها في مواجهة بعضها بعضا".
ويضيف أن الآلية الراهنة متمثلة فيما يمكن وصفه بالتنسيق الطوعي عبر لقاءات ونقاشات بين الزعماء في المنتديات الكبرى مثل مجموعة السبع أو مجموعة العشرين، ولكن إذا أصرت واشنطن كما يبدو واضحا الآن، بأن هناك تلاعبا دوليا في أسعار الصرف، وبما يصب في غير مصلحة الاقتصاد الأمريكي، فلن يوجد ما يمنع أو يحول من أن يمتد الغضب الأمريكي فيصيب الجميع، وينقل الحرب التجارية مع خصومه إلى حرب أكثر شراسة وتعقيدا عبر صراع أو حرب العملات.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية