هل سنشهد نهاية عصر «النيوليبرالية»؟

|


عالم اليوم متشعب ومعقد وصعب لدرجة يصعب معها أحيانا حتى على المختصين استيعاب ما يجري فيه.
وإن أخذنا شؤون المال والاقتصاد في عين الاعتبار، لرأينا أن العسر في استيعاب ما يجري من نشاط وما يخطه المختصون لنقل هذا النشاط كأخبار وتقارير ومقالات يشكل القاعدة وليس الشواذ.
راودتني هذه الفكرة وأنا أقلب صفحات الجرائد والمجلات التي تعنى بشؤون الاقتصاد، وفيها سيل من المقالات منها ما ينعي "النيوليبرالية" أي الليبرالية الحديثة، ومنها من يرى فيها خلاصا لكوكبنا هذا الذي يتوقع أن يبلغ عدد سكانه نحو عشرة مليارات نسمة بحلول عام 2050.
قلت لنفسي: وهل يعرف الناس ما هي "الليبرالية الحديثة"؟ وإن كانت لنا "ليبرالية حديثة"، فما الذي يميزها عن "الليبرالية القديمة"؟
وإن كانت لدينا "ليبرالية حديثة" و"ليبرالية قديمة" فما الذي يميزهما عن مصطلح "الليبرالية" الذي يعد الجذر الذي تستندان إليه؟
نحن الأكاديميين نتباهى أحيانا كثيرة برطانة اللغة التي نستخدمها، وغالبا ما نتصور أن كثرة المصطلحات المركبة والطويلة دليل على النبوغ.
وقد نكون محقين في ذلك لأننا في الغالب نكتب لأنفسنا – بمعنى أن متلقي خطابنا ما هو إلا أكاديمي مثلنا، وإن سنحت لنا الفرصة كي نكتب لعامة الناس فمن النادر أن نغادر الرطانة التي يتميز بها أسلوبنا.
مهما يكن من أمر، فإن "الليبرالية" لها مفهوم سياسي ومفهوم اقتصادي. في السياسة، وبصورة عامة، يعاكس الليبراليون المحافظين، ويمقت المحافظون الليبراليين.
في الاقتصاد، وهذا موضوع مقالنا، تثلج السياسات والمناهج والخطط الليبرالية القديمة والحديثة، صدور المحافظين وتثير فزع الليبراليين.
لنأخذ مثالين من عالمنا المعاصر. الأول، من الولايات المتحدة والحزب الجمهوري في عهدي الرئيس الأسبق رونالد ريجان والرئيس الحالي دونالد ترمب. والثاني من بريطانيا، في عهدي مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء الأسبق وتيريزا ماي رئيسة الوزراء الحالية.
يجسد المثالان السياسات "النيوليبرالية" خير تجسيد، حيث نلاحظ من ناحية، منهجا حكوميا يعتمد إلغاء القيود على الاقتصاد، وعدم تدخل الحكومة، وخفض الضرائب على الأغنياء داخل البلد. هنا، النهج يعد ليبراليا صرفا لأنه يستند إلى "الليبرالية القديمة" التي تتبع النهج والفكر والمفاهيم التي أتى بها آدم سميث عالم الاقتصاد الاسكتلندي.
من ناحية أخرى، نلاحظ تدخلا من قبل الحكومة في التجارة الخارجية لتعزيز نهج ليبرالي اقتصادي داخلي، كما هو الحال في أمريكا في الوقت الحالي حيث تفرض الإدارة التعريفات الجمركية وتتدخل في التجارة الخارجية لصالح الاقتصاد الليبرالي الوطني.
وقد تبدو "النيوليبرالية" شيئا محببا لمن يقول إنه يتبع فكرا ونهجا سياسيا يدعو إلى فرض الضرائب على الأغنياء خدمة للفقراء ويتبنى العدالة الاجتماعية ويتجنب المشكلات والصراعات.
وهنا لدينا مثال حزب العمال البريطاني، الذي رغم مفاهيمه ذات التوجه اليساري "غير المحافظ" ونزعته القوية صوب العدالة الاجتماعية، فقد غيّر البوصلة في عهد توني بلير رئيس الوزراء السابق الذي اتبع نهجا اقتصاديا سماه New Labor أي حزب "العمال الجديد" ذو التوجهات الليبرالية الحديثة. وهذا، حسب كثير من الاقتصاديين، كان النهج الذي سار عليه الحزب الديمقراطي "ذو النهج السياسي الليبرالي" في أمريكا في عهد الرئيس بيل كلنتون.
وصار للنهج الليبرالي الحديث في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى نحو أربعة عقود. وفي هذ الفترة الطويلة، أغدق عليه مناصروه ومنفذو سياساته من السياسيين كثيرا من المدح، بيد أنه في رأي فريق من الاقتصاديين فإن هذا النهج استنفد شروط بقائه، وأن مساوئه أكثر من محاسنه، وأن العالم بدأ يضيق ذرعا من عدم المساواة الهائلة التي خلفها بين الذين يملكون والذين لا يملكون.
ونحن نقرأ ونطالع في الأخبار والمقالات التي تدبجها الصحف والمجلات المختصة أو الأبحاث الأكاديمية، نرى ونلمس أن سفينة التجربة الليبرالية الحديثة المتمثلة في خفض الضرائب على الأغنياء، وإزالة ونزع القيود والضوابط التي تتحكم في سوق العمالة وسياسات التشغيل والإنتاج وتمويل رأس المال والعولمة، بدأت ترتطم بصخور قاسية مدببة، كمؤشر بيّن على فشلها المدوي.
المكتبة الغربية مليئة اليوم بالكتب والأبحاث التي تدل على أن النمو الاقتصادي في الدول ذات النهج الليبرالي الحديث أخذ في التباطؤ، وإن كان هناك مؤشر للنمو فإنه نتيجة تراكم الثروات لدى طبقة لا تمثل إلا فئة قليلة جدا من السكان.
من هنا بدأ يتوقع بعض الاقتصاديين اندثار النهج الليبرالي بشكليه القديم والحديث، مؤكدين أن تدهور القوة الشرائية لأغلبية الناس، التي لا تقع في خانة الأغنياء في البلدان الرأسمالية في ربع القرن الأخير، يوجب البحث عن مسلك ونهج اقتصادي جديد.
ولكن ماذا سيكون هذا النهج، يا ترى؟ نترك الإجابة للمقبل من الأيام.

إنشرها