اللعب فوق الكثبان الرملية

|

مع انطلاق برامج "الرؤية"، خصوصا برنامج التحول الوطني، الذي يهدف إلى تحقيق التميز في الأداء الحكومي، ومع الضغوط لتحقيق المستهدفات المطلوبة من كل وزارة، واجه المسؤولون مشكلة وجود فجوات بين القدرات الموجودة وبين المطلوب تحقيقه، ما يستلزم الاستعانة بموظفي القطاع الخاص في بعض المهام، خاصة ما يتعلق بإدارة المشاريع وغيرها. وهكذا، بدأت الجهات تتنافس في جذب الكفاءات تحت بند أو برنامج استقطاب الكفاءات، وتوسع كثير من الجهات في هذا الاتجاه. في البداية كان الاستقطاب والتعاقد محل استغراب كثير ممن يعملون في القطاع الخاص، حيث تم عرض العمل عليهم بمبالغ ضعف ما يحصلونه من عملهم الحالي، مع العلم أن الخبرة لدى بعضهم لا تتعدى سنة أو سنتين، وهو ما أثار استغراب كثير في وقتها، ويدل على وجود خلل واضح في عملية الاختيار والتطبيق، لكن حسبما أعتقد أنه تم التنبه لهذا الخطأ وأصبحت العملية الآن أكثر انتقائية ووعيا.
العمل في القطاع العام أو الحكومي ليس مشابها أو مقاربا للقطاع الخاص، حيث يواجه الموظف المنتقل إلى القطاع الحكومي تحديات ومصاعب تختلف كثيرا عن القطاع الخاص في أغلب الأحيان، فعلى سبيل المثال، القطاع الحكومي "خصوصا في الماضي" لا يهتم كثيرا بالكفاءة في أداء العمل أو لا يجعل لها القرار الحاسم في تقييم وبقاء الموظف "هذا الوضع سيتغير الآن"، بينما القطاع الخاص يعمل بمبدأ الكفاءة أولا وأخيرا. أيضا لا يتم الرجوع إلى مبدأ قياس العوائد المادية والتكاليف في الأداء الحكومي، فهو لا يهدف إلى الربح أساسا، إنما يتم اعتماد موازنة ويتم الصرف منها، وهنا يواجه الموظف معضلة عندما توجد فرصة لتخفيض التكاليف، فقد لا يجد استجابة جيدة بسبب عدم وجود دافع، بينما عندما كان يعمل في القطاع الخاص كان هذا متطلبا عليه ويكافأ لمبادرته ويتم البحث عن تقليل التكاليف بشكل تلقائي. لكن من أهم التحديات في نظري؛ المرونة، ففي القطاع الخاص تمتلك الشركات المرونة في اتخاذ القرارات وتعديلها وإلغائها، لكن الأمر مختلف تماما في القطاع الحكومي "رغم التحسن الحالي الملحوظ"، فالقرارات تمر عبر قنوات طويلة ومخاطبات بين الأجهزة الحكومية الأخرى، والتراجع صعب والتغير أصعب، والصلاحيات محدودة وموزعة بين الجهاز الحكومي الواحد والأجهزة الأخرى، ما يعطي صدمة غير متوقعة لمن قدموا إلى العمل في القطاع الحكومي، رغم معرفتهم لهذا الأمر، لكن ليس من رأى كمن سمع. ومن التحديات كذلك، أن القطاع الحكومي "في كثير من أجهزته"؛ مشرع ومنظم ومراقب، ولهذا فإن العمل بمنظور المشرع والمنظم مختلف عن العمل بمنظور اللاعب في الميدان، الذي لديه مصالح واستثمارات تتأثر بشكل مباشر وكبير في أي قرار أو تنظيم يصدر، رغم أنه من الجيد أن يكون من بين المشاركين في التنظيم والتشريع من له سابق خبرة بالمصاعب في العمل الحقيقي في القطاع.
من الإشكاليات التي ظهرت من برنامج استقطاب الكفاءات، حجم الفروقات في الرواتب بين هؤلاء وبين الموظفين الحكوميين الموجودين. هذه الفروقات ليست صحية، ولا يمكن أن يستمر الموظفون بهذه الطريقة، مع العلم أن بعض "وليس كل" الموظفين المستقطبين يؤدون مهام مقاربة لمهام زملائهم على سلم رواتب الخدمة المدنية، بل إن بعض الموظفين القدامى لديهم الخبرة الأفضل والأقوى، لكن لم يعطوا الفرصة والمساحة كي يقدموا ما لديهم. لا أعلم كيف ستتم معالجة هذه الفروقات، أو أنها ستستمر في هذا الوضع، الذي أعتقد أنه غير صحي.
ختاما، أعلم أن بعض من تم استقطابهم، عولجت بعض الإشكاليات السابقة عبر إعطائهم كثيرا من الصلاحيات والدعم كي ينفذوا المطلوب منهم، وهو حل لم يتوافر لدى البقية الباقية، فلذلك واجهوا صعوبات وتحديات أعجزتهم عن تحقيق إنجازات، رغم تحقيقهم إنجازات أثناء عملهم في القطاع الخاص سابقا. ولهذا أشبههم بلاعبي الكرة المحترفين، لكن طلب منهم اللعب فوق كثبان رملية لم يتعودوا عليها، فلا يستطيعون العدو بسرعة وخفة، كما تعودوا على الملاعب العشبية وعدم تحقيق أي هدف بسبب عدم مقدرتهم على إيصال الكرة إلى المرمى، وهذا هو حال هؤلاء البقية - مع الأسف - ما لم يتم إعطاؤهم الصلاحيات والدعم من الوزير كي يتم تحقيق الهدف الذي تم استقطابهم من أجله.

إنشرها