هل يعمل القطاع العام مثل القطاع الخاص؟ «1»

|

كثيرا ما يتردد أن القطاع الخاص أنجح من القطاع العام، وأن العاملين في القطاع الخاص أكثر كفاءة وأجدر وظيفيا، حتى وصل الحال إلى استقطاب عدد من منسوبي القطاع الخاص للعمل في القطاع العام بهدف إنعاش هذا القطاع الميت كما يتراءى للبعض. فهل هذه المقارنة حقيقية؟ وهل يمكن مقارنة القطاعين إنتاجيا؟ وهل يمكن الاعتماد على هذه المقارنة كأساس لتحديد الأفضلية بينهما؟ الموضوع حقيقة كبير ومتشعب ولا يمكن سبر أغواره من مقال واحد، ولكن سأحاول إيضاح بعض النقاط علها تكون مفتاحا لمن أراد المقارنات.
الدول عادة ما تقوم على ثلاثة قطاعات هي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع غير الهادف للربح "القطاع الثالث"، ولا يمكن الاستغناء عن أحدها في الدول المتقدمة، وإن كان تنظيم القطاع الثالث قد يكون أقل أهمية في الدول الضعيفة والدول النامية. جميع هذه القطاعات تسهم في إيجاد التنمية، وتوجه سياسات الدول الاقتصادية والسياسية، ولكن لا توجد نسبة محددة لمساهمة كل قطاع في الناتج الإجمالي المحلي. ولو قدر لنا أن نمثل هذه القطاعات في شكل هرمي لكان القطاع العام هو قاعدة الهرم الواسعة، يعلوها القطاع الخاص الذي يستمد قوته من قوة القطاع العام، وفي قمة الهرم يأتي القطاع الثالث الذي يعد قطاعا مكملا في المجتمعات الأقل نموا، ولا يمكن أن يتوافر إلا من خلال مؤسسات مجتمع مدني متطورة ويستمد قوته أيضا من قطاع عام وقطاع خاص وصلا لدرجة عالية من النضج.
القطاع العام يعرف أيضا بقطاع الدولة وهو مكون للاقتصاد يشمل جميع الخدمات العامة والمؤسسات العامة المملوكة للدولة التي تقدم خدماتها ومنتجاتها للمجتمع بلا مقابل أو بسعر تحدده الدولة، وتشمل خدماتها الأمن والجيش والجهات العدلية والخدمات الحكومية العامة والتعليم والصحة، ويمتاز هذا القطاع بتقديم خدماته للمجتمع بأسره ولا يمكن تخصيص الخدمة لفرد دون آخر، كما أنه لا يهدف إلى تحقيق الربح not for profit sector. أما القطاع الخاص Private sector الذي يعد جزءا من الاقتصاد الوطني فهو القطاع المملوك لأفراد أو مؤسسات ويسعى لتقديم منتجات أو خدمات تفوق تلك الأساسية التي يقدمها القطاع العام، ودائما ما يهدف هذا القطاع إلى الربح وتنمية عوائد الملاك. وفي الدول الرأسمالية يلعب القطاع الخاص دورا رئيسا في التوظيف وتقديم الخدمات ما حفز الدول لخصخصة كثير من خدماتها بهدف ضبط التكاليف والتركيز على مستوى الخدمات. القطاع الثالث "التطوعي" Voluntary sector هو قطاع في الغالب لا يهدف إلى تحقيق الربح لاختلاف هيكل الملكية، وإن كان ينافس القطاع الخاص في تقديم خدمات ومنتجات بمقابل مادي ولكن بهدف تغطية التكاليف والتوسع في خدماته.
الدولة الحديثة أصبحت مزيجا من القطاعات الثلاثة التي تهدف إلى تقديم خدماتها ومنتجاتها للمجتمع من أجل تحقيق النمو والاستدامة والتقدم بين دول العالم لتحقيق الرفاهية والسعادة للمجتمعات التي تعيش فيها. وفي مقال قادم سنخوض في مزيد من الاختلافات والمقارنات بين هذه القطاعات الثلاثة ودورها التنموي.

إنشرها