حضارات الجزيرة العربية .. في أجندة دارة الملك عبدالعزيز

|


ظللنا لوقت طويل نظن أن الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني تنفرد وحدها بالبحث في حضارات الجزيرة العربية من خلال مجموعة من المشاريع المهمة مع عدد كبير من المؤسسات البحثية التي أعادت اكتشاف حضارات الجزيرة العربية.
أحسنت الهيئة صنعا حينما نظمت متحفا متنقلا "روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور" وجاب المعرض - بنجاح منقطع النظير - العواصم الكبرى في الدول المتقدمة، مثل حواضر بعض دول الاتحاد الأوروبي، وبعض المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي موسكو وطوكيو، وغيرها من عواصم الحضارة الغربية الحديثة.
وبصراحة، أبدعت الهيئة حينما صممت المتحف المتنقل وأرسلته إلى أهم الحواضر في دول الحضارة الغربية الحديثة، حيث كان المتحف عبارة عن مباراة حضارية ضخمة تقوم بها المؤسسات العلمية والثقافية في المملكة.
لكن الجديد الذي أود التنويه إليه في هذا المقال، أن دارة الملك عبدالعزيز دخلت بقوة في مجال إعادة اكتشاف الحضارات العربية في منطقة شبه الجزيرة العربية من خلال أهم مشاريعها الثقافية والمعرفية، هو مشروع توثيق مصادر تاريخ الجزيرة العربية "الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية"، ويهدف المشروع إلى توثيق مصادر تاريخ الجزيرة العربية القديم، وحضاراتها في القرون المبكرة في إطار تحقيقها أهداف "رؤية المملكة 2030" الهادفة إلى الاهتمام بالتراث الحضاري للجزيرة العربية، وتحقيق الريادة في المرجعية المعرفية في هذه المنطقة التي باتت - كما أشارت إلى ذلك المجلة العربية في عددها في حزيران (يونيو) 2019 - تحظى باهتمام كبير من قبل المهتمين بالحضارات القديمة.
وواصلت الدارة تنفيذ المرحلة الثانية من خلال تعاونها وشراكتها مع معهد البحوث التاريخية في المؤسسة الهللنية القومية للبحوث في أثينا، وهي مؤسسة علمية عريقة في اليونان عبر مشروع "المصادر الأدبية البيزنطية لتاريخ وحضارة العرب والجزيرة العربية من القرن السابع حتى الـ12 الميلادي".
ويهدف هذا المشروع إلى تنفيذ مسح شامل للمصادر البيزنطية التي تناولت تاريخ العرب والجزيرة العربية من القرن السابع الميلادي حتى القرن الـ12 الميلادي، وإعداد سجل يصور المعلومات المتعددة التي تزودنا بها الوثائق الأدبية البيزنطية عن العرب والجزيرة العربية، وإتاحة الفرص لدراسة هذه المعلومات من منظور علمي جديد، واستخراج النصوص الأدبية التي تتناول جميع أنواع العلاقات السياسية والتجارية والثقافية بين العرب ومحيطهم الحضاري في الفترة محل الدراسة والبحث. ودون شك أن مشاريع دارة الملك عبدالعزيز مع مجموعة مشاريع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ستقدم رسالة عميقة للعالم، تؤكد أن "المملكة بلد الحضارات القديمة، وصانعة التاريخ، وليست طارئة عليه"، وهذه المقولة كان يحرص عليها ويرددها باستمرار الأمير سلطان بن سلمان، الرئيس السابق للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.
حقق معرض "روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور" نجاحا لافتا في جميع محطاته في المدن الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وقام المعرض بإطلاع العالم على حضارة وتاريخ الجزيرة العربية والمملكة من خلال كنوزها التراثية التي تجسد بُعدها الحضاري، إلى جانب تعزيز التواصل الثقافي بين شعوب العالم، والتأكيد أن المملكة ليست طارئة على التاريخ، لكنها مهد لحضارات إنسانية زاخرة توجت بحضارة الإسلام العظيمة، حيث تغطي القطع الأثرية التي يحتوي عليها المعرض، الفترة الممتدة من العصر الحجري القديم "مليون سنة قبل الميلاد" منذ عصور ما قبل التاريخ حتى العصور القديمة السابقة للإسلام، ثم حضارات الممالك العربية المبكرة والوسيطة والمتأخرة، مرورا بالفترة الإسلامية والفترة الإسلامية الوسيطة، حتى نشأة الدولة السعودية بأطوارها الثلاثة إلى عهد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه. كذلك عني المعرض بطرق التجارة في الحضارات القديمة التي اجتازت شبه الجزيرة العربية من خلال التبادل الاقتصادي والحضاري والثقافي، التي كانت الجزيرة العربية حاضنة لها عبر العصور حتى بزوغ فجر الدين الإسلامي الحنيف.
لقد اهتمت المؤسسات الثقافية في المملكة بإعادة اكتشاف التراث الحضاري، وأصدرت حكومة المملكة عددا من القرارات والأنظمة لدعم الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني للقيام بمهامها في هذا المجال، وتوجت هذه القرارات باعتماد برنامج "خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري للمملكة" على أساس أن يكون مشروعا تاريخيا وطنيا مهما يعكس التطور في برنامج مشاريع التراث في المملكة ويغطي عدة مسارات في مجالات الآثار والمتاحف والتراث العمراني والحرف والصناعات اليدوية والتوعية، وغيرها من المجالات.
إن أغلبية المواقع التي تم اكتشافها يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث وتقع جنوب دومة الجندل شمال وادي سرحان، كما كشفت المسوحات الأثرية "جنوب دومة الجندل" أيضا عن 500 موقع أثري يعود إلى العصر النحاسي، يشمل أنماطا من المنشآت المعمارية ومواقع للصيد. وأضاف رومولو لوريتو، عالم الآثار الإيطالي، أن هناك آثارا مشابهة تم العثور عليها في مواقع أخرى، تم فيها الكشف عن 150 موقعا في عام 2016، وهي عبارة عن مخيمات ومستوطنات بشرية. كذلك توصلت البعثات البحثية إلى نتائج مفادها أن الجزيرة العربية كانت منطقة خضراء وغنية بالمياه في العصر الحجري الحديث، لكنها شهدت في نهاية هذا العصر وبداية العصر البرونزي تحولات مناخية أدت إلى تغير البيئات فيها، حيث ساد التصحر والجفاف وتبدل كثير من أوجه الحياة، لافتة إلى أن ذلك يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل مستقبلا.
خلاصة القول، حقا إن المملكة صانعة التاريخ والحضارات، وليست طارئة عليهما.

إنشرها