الجبال تصرخ

|


تعاني البيئة انتهاكا سواء مكوناتها النباتية من أشجار وحشائش، أو كائناتها الحية من حيوانات وطيور وزواحف، ولم يتوقف التدمير والعنف البشري عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى قمم الجبال الشماء. فإذا استمر الإنسان على هذا النهج في التعامل مع البيئة، فلن يجد النسر قمما شماء كما تغنى بذلك أبو القاسم الشابي.
في الواقع، كنت أظن أن السواحل هي التي انتهكت حرماتها، واستغلت الواجهات البحرية استغلالا شخصيا على الرغم من أن المفترض أن تكون الواجهات البحرية ملكية عامة للدولة، كما هو في بعض الدول مثل الولايات المتحدة، كي تصبح متنفسا للسكان ومكانا للمشاريع العامة التي تديرها أو تشرف عليها الدولة. ولكن الأمر لم يقتصر على السواحل، وإنما امتد التدمير والانتهاكات إلى السلاسل الجبلية الجميلة التي قال الله فيها: "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون" (الأنبياء31). فقد مرت فترة من الزمن كانت الأنظمة تتيح للناس حق امتلاك الشعاب والجبال المجاورة بحجة أنها ضمن الملكيات الزراعية، كونها تعد المناطق التي تتدفق منها السيول للمزارع بما يسمى "المسايل". وقد استغل كثير من الناس هذه المرونة أو التراخي في أنظمة التملك، فأقبلوا على شراء قطع أراض بوثائق وليست صكوكا، خاصة تلك المجاورة لجبال جميلة ولشعاب كبيرة، من أجل أن يستولوا عليها بحجة إحياء الأرض أو "المسايل"، أو بطرق ملتوية تفوح منها رائحة الفساد. ولا شك أن الجشع لدى البعض جعلهم يطمعون فيما جاورهم من جبال مرتفعة، وأراض شاسعة دون مراعاة للمصلحة العامة أو مصالح الأجيال القادمة.
بعضهم يشق الطرق في وسط الجبال ويشوهها بالشوارع الأسفلتية، أو يتباهى ببناء القصور في قممها، ما يشوه جمالها الطبيعي من جهة، ويجعل التمتع بإطلالة مرتفعة على حساب ملاك المزارع والمتنزهات الموجودة في بطون الأودية. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فلا أدري أين ستجد الأجيال القادمة أماكن مناسبة للتنزه والاستجمام؟
وبناء على ما سبق، آمل أن يصدر توجيه من الجهات العليا بدراسة هذا الموضوع، ومن ثم وضع أنظمة تحدد ملكية الجبال، حيث تكون الجبال المرتفعة عند ارتفاعات محددة ملكية عامة للدولة، مع مراجعة شاملة لملكية الجبال الشاهقة، كي تبقى الجبال جميلة ومكانا فسيحا لجميع الناس، وليست لعدد محدود من الناس استطاع الاستيلاء على مساحات شاسعة تفوق الخيال، وتزيد على حاجته واستخدامه عديدا من المرات.

إنشرها